لم أعرف السعادة...

لم أعرف السعادة...

مِن المعلوم أنّ القلّة تولّد الشجار والمناكفات، فباتَ البيت أشبه بساحة معارك بين الجميع، خاصّة في موعد الوجبات، فكان علينا الانقضاض فعليًّا على الأكل لنسبق غيرنا. مشهد محزن للغاية بقيَ محفورًا في ذاكرتي حتى اليوم.

وحين أنجَبت عايدة ثالث ولد، أي بعد ثلاث سنوات على قدومها، أخَذَها والدي إلى منطقة بعيدة وعاشَ معها ومع أولادهما هناك. مِن أين أتى بالمال لذلك؟ مِن الذي سيُوفّره بعد أن قرَّرَ قطع المصروف عنّا.

لا أظنّ أنّ الله سيُسامحه على عمل كهذا، فمَن يترك تسعة أولاد وحدهم لا يحظى ببركة خالقه.

كانت أختنا الكبرى في الرابعة عشرة، أي أنّها لم تكن قادرة على العمل، لِذا ضحَّت بنفسها مِن أجلنا وقبلَت أن تتزوّج فقط لنعيش، بعد أن اشترطَت على الرجل الذي أرادَها أن يُخصّص مبلغًا شهريًّا لنا.

قبِلَ العريس بشروط أختي، لأنّه كان في الأربعين وكان يهوى الفتَيات الصغيرات، إلى حين لم تعد تناسب ذوقه أي بعد ثلاث سنوات. عندها أعادَها إلينا مع ولدٍ أنجبَته منه.

هل أنّ الناس قبيحون إلى هذه الدرجة أم أنّنا لم نلتقِ سوى بِأبشعهم؟

وضعَت أختي ولدها معنا وذهبَت تعمل، ولحقَت بها أختي وأخي أي الأكبر سنًّا فينا. وأنا بقيتُ أربّي الباقين مع أنّني كنتُ لا أزال في الثالثة عشرة وكان العبء كبيرًا عليّ، فلم أذِق طعم الطفولة كسائر الأولاد، ولم يكن لدَيَّ ألعاب أو هوايات لأنّني كنتُ دائمًا حزينة وخائفة وجائعة. كان الغد يُشكّل تهديدًا، فلم أكن أعلم ما كان يُخبئه لي بعدما رأيتُ كلّ الويلات، ولم أعِش مراهقتي لأنّني لعبتُ دور الأمّ باكرًا جدًّا.

كان مكتوبًا لنا أن نعيش ونجتاز كلّ المحَن، ولكن بعدما كبرنا وبدأَت تستقّر حالتنا بفضل إخوَتي وأخواتي الذين كانوا يذهبون إلى العمل حين يصبحون قادرين على ذلك. وبعد سنوات، لم نعد نشعر بالجوع ولكنّنا لم نجد السعادة.

أنا بقيتُ في البيت أهتمّ به وبهم، فكنتُ قد أصبحتُ كما ذكَرتُ الأم التي افتقدوها. ولكنّني لم أجد أمًّا بديلة ولا أبًا، كنتُ انسانة جبانة وتعيسة أكتفي بالقليل وأخشى الأفظع.

لم يسأل والدنا عنّا يومًا، ولم أفهم كيف لإنسان أن ينسى تسعة أولاد هكذا، حتى لو كان ذلك بسبب امرأة، بل فَعَل ما لم نتوقّعه أبدًا: جاء بعد سنين طويلة يُطالبنا بالبيت. كان ينوي رمينا في الشارع ليسكن مكاننا مع زوجته وأولاده السّبعة.

ولكنّه لم يتوقّع أبدًا أنّنا سنقف بوجهه هكذا. كنّا قد كبرنا، خاصّة اخوَتي، واكتشَفنا حقيقة الرّجل البشعة. خافَ والدنا منّا وعادَ بسرعة مِن حيث أتى بعد أن هدَّدناه وشتَمناه.

في تلك الليلة طلَبتُ مِن الله أن يأخذني إلى حيث هي أمّي وذلك لكثرة اشمئزازي مِن حياتي. ولكنّ العليّ لم يُحقق طلَبي لأنّه كان يعلم ما سيحدث لي لاحقًا.

وقَعتُ في الغرام مرّة أو اثنتَين ولكنّني لم أرتبط رسميًّا بأحد، ربمّا لشدّة خوفي مِن حياة زوجيّة مماثلة للتي حظيَت بها والدتي، لا بل كرهتُ صنف الرجال بأسره الذين كنتُ أعتبرهم كاذبين ولا يُريدون سوى شيء واحد: الجنس.

تزوَّجَ معظم أولاد البيت، منهم مَن وجَدَ السعادة ومنهم مَن أقدَمَ على ذلك مِن كثرة التعب واليأس، وأنا بقيتُ كعادتي مكاني متذرّعة باختي الصغيرة وأخي اللذَين لم يتزوّجا.

 

قد يهمّكِ أيضاً