للجدران آذان

للجدران آذان

لَم أختَر أن أكون مُساعدة ممرّضة، بل القدر شاءَ ذلك عنّي... أو بالأحرى الفقر. فلقد احتَجتُ إلى العمَل وبأسرع وقت لدَفع ايجار الشقّة الصغيرة التي أسكنُ فيها. كنتُ قد تركتُ المنزل الأبويّ لعدَم قدرتي على تحمّل ما كان يجري فيه. فقد كان أبي إنسانًا طاغيَا إستفرَدَني حالما فارقَت أمّي الحياة. حاولتُ الصّمود، إلا أنّني لَم أتمكّن مِن تقبّل الشتائم والإهانات والقَمع المجّانيّ الذي كان يُمارَس عليَّ فقط، لأنّ التي كانت تُحني رأسها أمامه كانت قد ماتَت... وارتاحَت منه.

عندما وصَلتُ المدينة، إنبهَرتُ بها وبِناسها، واستطَعتُ أخيرًا تصوّر حياتي بطريقة مُختلفة عمّا قبل، أي أنّني كنتُ سأحقّق نفسي كإنسانة بكلّ ما للكلمة مِن معنى، وليس كعبدة وُلِدَت لتخدم رجل لا يعرفُ الرّحمة.

لكنّ المال القليل الذي أخذتُه معي نفَذَ بسرعة، فالحياة في المدينة باهظة، وكأنّ على الإنسان أن يدفع ثمَن الحريّة التي يركضُ وراءها.

لِذا قبِلتُ، على مضض، بالعمل في ذلك المشفى، وبأن أقوم بالأعمال التي لا يُريدُ أحد القيام بها، أي غسل المرضى وتنظيف كلّ ما يخرجُ مِن أجسادهم التعِبة.

لَم أكن يومًا كسولة، فقمتُ بواجباتي بحماس، الأمر الذي جلَبَ لي تقدير ومحبّة المرضى الذين كانوا يترقّبون وصولي إلى غرفتهم ليروا وجهًا مُبتسمًا مهما كانت الظروف. فالممرّضات الباقيات كنّ توبّخنَ هؤلاء المساكين كلّما اتّسخوا.

وسرعان ما لَفَتَ عمَلي إنتباه القيّمين على تلك المؤسّسة الطبيّة، فضُرِبَ المثل بي وحصلتُ على تهنئة علنيّة، الأمر الذي جلَبَ لي غضب الكسالى والحاسدين. لكنّني لَم أتأثّر بالنظرات والتلميحات البشعة، وسرعان ما سكتَت الأصوات.

وانقلَبَ عمَلي الشاق إلى مُتعة، ولَم أعُد أشعرُ بالتعَب أو حتى الخجل، بل أصبحتُ أفتخرُ بتنظيف ما كان سابقًا مُقرفًا.

وحصَلَ أن فاتحَني أحد الأطبّاء بإعجابه بعملي... وبي.

 

قد يهمّكِ أيضاً