لكل ماكر عقابه!

لكل ماكر عقابه!

ـ إنّها أمّي! ولقد تعِبَت مِن أجل تربيتي، ألا يحقُّ لها أن تُكافأ؟!؟

 

ـ أفهَم ذلك حبيبتي لكن...

 

ـ لكن ماذا؟ لَم أعهدكَ بخيلاً أم أنّكَ ادّعَيت الكرَم حين جئتَ في المرّة السابقة؟

 

ـ لستُ بخيلاً لكنّني أعملُ ليلاً نهارًا لأتمكّن مِن الزواج منكِ. وعليّ الإهتمام بأهلي أيضًا.

 

ـ أمّي هي بمثابة أمّكَ!

 

ـ لكنّني لن آتي لأمّي بالذهب بل بالهدايا. أنا آسف يا غنوة، لن أجلِب الحلى سوى لكِ.

 

إنقطعَت إتصالات غنوة وبالكاد أجابَت على هاتفها في المدّة التي سبقَت عودتي، وقرّرتُ إصلاح الأمور بشراء أقراط صغيرة لأمّها، فخطيبتي كانت الوقود الذي يُشعلُ حماسي على العمَل بعيدًا عن بلدي. وعندما رأَت غنوة الأقراط، نظرَت إليّ باحتقار لن أنساه وقالَت:

 

ـ هذه ليست لسيّدة ناضجة بل لفتاة صغيرة أو مولودة جديدة. ماذا تحسبُنا؟

 

ورمَت العلبة بوجهي فامتلأَت عينايَ بالدموع مِن شدّة خجلي، خاصّة أنّ أهل خطيبتي كانوا موجودين حولنا. أخذتُ العلبة وتمتمتُ بضع كلمات ثمّ عدتُ إلى البيت. بكيتُ في الطريق لانّني لَم أعُد أعرف أين ذهَبَ حبّ غنوة لي وقناعتها، وسألتُ نفسي إن كنتُ قد أخطأتُ بالإختيار أم أنّ البُعد أثَّرَ على أعصاب حبيبتي. كان يجدرُ بي طبعًا فسخ خطوبتي واستدراك الأمور قبل تفاقمها، إلا أنّ غنوة كانت حبّي الأوّل.

قضيتُ بضع أيّام في البلد رأيتُ خطيبتي خلالها مرّات قليلة، وحاولتُ استعادة حبّها لي لكنّني اصطدمتُ بنظراتها الغاضبة. عدتُ إلى العمل والحزن يُثقلُ قلبي.

فكّرتُ مليًّا بالذي حدَث فاستنتجتُ أنّ عليّ الزواج مِن حبيبتي في أقرَب فرصة كي يرتاح بالها، فهي حتمًا قلقة ومهمومة لإمكاني التعرّف إلي غيرها خلال مكوثي في الغربة ونسيانها. طبعًا ذلك لَم يكن واردًا إلا أنّها لَم تكن تعلَم ذلك. لِذا أخبرتُ خطيبتي عمّا يجولُ في بالي وهي أجابَت:

 

ـ حسنًا... إبعَث لي النقود لأشتري فستان العرس وكلّ ما يلزم.

 

فاجأتني برودتها إذ توقعتُ منها أن تصرخ مِن الفرَح وتُسمعَني كلمات حبّ. سكتُّ عن الأمر وأرسلتُ لها ما تُريدُه. ومنذ ذلك اليوم بدأَت تتالى الطلبات وتأجيلات موعد العرس تحت ذرائع مُختلفة في كلّ مرّة. أخذتُ قرضًا مِن العمل على راتبي لأنّ غنوة أرادَت الأفضل، ناسيةً أنّني لَم أصِر غنيًّا بل لا أزالُ موظّفًا عاديًّا. هل تصرّفاتها كانت نابعة مِن نيّة تعزيز صورة نجاحي للناس... أم فقط أنّ نَفس خطيبي كانت جائعة ولا يُشبعُها شيء؟ عدتُ وتذكّرتُ كيف أنّ غنوة كانت تحبُّني حين كنتُ لا أملكُ شيئًا فاطمأنَّ قلبي مِن جديد.

قبل موعد ذهابي إلى البلد بأيّام معدودة إتصَلَ بي أبي قائلاً:

 

ـ عليكَ البقاء حيث أنتَ يا بنيّ.

 

ـ لماذا؟ ما الأمر؟!؟ أنتَ تعلَم أنّني ذاهب لأتزوّج ولا يجوزُ تأجيل حدَث كهذا.

 

قد يهمّكِ أيضاً