لقد سامحتك يا حبيبي

لقد سامحتك يا حبيبي

إستغرَبَ جميع مِن حولي كيف لزوج أن يتحمّل هذا الكمّ مِن العذاب، فمِن المعروف عامّة أنّ المرأة هي التي تضحّي مِن أجل زوجها وليس العكس. لكن كان مِن الواضح أنّ جلال هو مِن القلائل.

مرّت السنوات ببشاعة، ولا أذكر كَم مِن مرّة تمنَّيتُ أن أموت ليس فقط لأرتاح مِن أوجاعي، بل لأعطي زوجي حرّيته ليعيش حياة طبيعيّة. إلا أنّ الله لم يشأ أن أموت، وبقيتُ أشكّل لجلال وعائلتي عبئًا ثقيلاً.

وبعد عشرين سنة... مات جلال بحادث سَير. لن أستطيع وصف شعوري آنذاك، فقد كان مزيجًا مِن الحزن والغضب. إذ كيف لإنسان يتمتّع بصحّة ممتازة أن يرحل قبل مريضة مثلي؟ أين العدالة في ذلك؟ بكيتُ كثيرًا، ودخلتُ قسم الطوارئ لشدّة حزني، واستسلمتُ للموت على أمل أن ألحَق بالذي أعطاني أجمل أيّام عمره.

وبالطبع لَم أمت فأنا الآن أسردُ لكم قصّتي! واضطرِرتُ للقبول بمشيئة الله. لكن بعد مراسم دفن جلال، بدأت تصل إلى مسمعي الكثير مِن القصص المُختلقة عن زوجي، ومعظمها شنيعة جدًّا. لَم أعِر أهميّة لتلك الثرثرة وأسفتُ أن تُشوَّه هكذا سمعة رجل عظيم. ووسط ألَمي الشديد، جاءَت تزورُني إحدى جاراتنا، وقالَت لي بكلّ وقاحة:

 

ـ لا تأسفي على زوجكِ يا عزيزتي، فهو لَم يكن أفضل مِن سواه مِن الرجال... صحيح أنّه بقيَ إلى جانبكِ طوال كلّ ذلك الوقت، إلا أنّه أسَّسَ لنفسه عائلة.

 

ـ ما هذا الكلام؟ ألا تخجلين مِن نفسكِ؟

 

ـ لستُ مَن عليها أن تخجل مِن نفسها، بل جلال، رحمه الله.

 

ـ أصمتي! إيّاكَ أن تتكلّمي بالسّؤ عنه!

 

ـ كَم أنّكِ بريئة! ماذا لو قلتُ لكِ إنّني أعرف إسم زوجته وعنوانها ؟

 

ـ أنتِ كاذبة وليس في قلبكِ رحمة! الرجل مات وأنا مريضة، كيف لكِ أن تخترعي هذه القصّة وترويها لي وأنا بهكذا حال؟!؟

 

ـ لا أريدُكِ أن... أن ترحلي يومًا وأنتِ تجهلين الحقيقة.

 

ـ وتتكلّمين عن موتي أيضًا؟ أيّة إنسانة أنتِ؟

 

ـ سنموت جميعًا! لا تغيّري الموضوع الآن. سأعطيكِ كلّ التفاصيل لأنّني أحبّكِ.

 

ـ بل لأنّكِ تحبّين الثرثرة وتدمير حياة الناس!

 

وأعطَتني عنوة إسم الزوجة المزعومة لجلال، ولم ترحل إلا بعد أن طردتُها مِن بيتي. لكنّني تفاجأتُ بإسم المرأة التي يُقال إنّها أخَذَت مكاني لأنّني كنتُ أعرفُها، فهي إحدى ممرّضات المشفى وكانت قد اهتمَّت بي مرارًا، ومِن جرّاء ذلك، وُلِدَت بيننا مودّة قويّة. هل يُعقَل أن تكون جارتي على حقّ؟ فكيف لها أن تعرف إسم الممرّضة وعنوانها، فهي لَم تزرني يومًا في المشفى.

حاولتُ نسيّان هذه المعلومة إلا أنّني لَم أستطع، فالموضوع كان خطيرًا للغاية، فهو يعني أنّ جلال كاذب وخبيث وخائن. وكي أعرف الحقيقة، قصدتُ المشفى مدّعية بتعرّضي لنوبة جديدة. كان لا بدّ أن أقابل منافستي.

فور وصولي غرفتي في المشفى، جاءَت الممرّضة لاستقبالي وللاطمئنان عليّ. إبتسَمتُ لها رغمًا عنّي وتبادلنا بعض الأحاديث. لَم أكن أعلم مِن أين أبدأ، فلو كانت تلك المرأة بريئة، ستغضب منّي للغاية أو تسخر منّي.

 

قد يهمّكِ أيضاً