لاقيتُ جزائي على يد ضحاياي

لاقيتُ جزائي على يد ضحاياي

للحقيقة، لم أكن أعلم أبدًا ماذا سأقول لزبونتي الأولى، لكنّها هي التي ساعَدَتني على النصب عليها، مِن دون أن تدرك ذلك طبعًا. فمِن أسئلتها والمعلومات التي أعطَتها لي عن نفسها، إستطعتُ تكوين فكرة واضحَة عن أحوالها ومكانتها وآمالها ومخاوفها، وأعطَيتُها احتمالات عديدة كان لا بدّ لإحداها أن تتحقّق. فعلتُ الشيء نفسه مع الأخريات وانتظرتُ النتيجة. وما كنتُ أحسبُه حصل، فاللواتي لَم تتحقّق امنياتهنّ عندي رحَلنَ، أمّا مَن وصَلنَ إلى مبتغاهنّ فقد رأَت فيّ مبصّرًا قويًّا يُمكن الاتّكال عليه، وقمنَ بنصح صديقاتهنّ بي.

وهكذا أصبَحَ البيت مقرّ عملي، وأمّي التي في البداية عارضَت ما يجري، باتَت تستقبل الزبونات، وذلك بعد أن رأت الأموال تتدفّق علينا. ومع الوقت، صِرتُ أشبَه بطبيب نفسيّ يُعطي النصائح للعازبات والمتزوّجات عن العلاقات العاطفيّة والزوجيّة ومشاكل الحمل والطلاق. كان لدَيّ زبائن مِن الرّجال أيضًا، إلا أنّهم كانوا يُفضّلون أن أقصدهم في مقرّ عملهم خوفًا مِن كلام الناس، وهناك كانوا يسألوني عن سَير أعمالهم وحياتهم العاطفيّة.

بكلمة مختصرة، صرتُ المرجع الأوحد لتساؤلات أهالي المنطقة، ووصلَت شهرتي حتى العاصمة... وفي غضون سنتَين أصبحتُ رجلاً غنيًّا. لكنّني لم أستعرض ثرائي لأنّني كنتُ أدّعي دائمًا عدَم مساعدة الناس مِن أجل المال، بل كنتُ أقول لهم جملتي الشهيرة: "لا أقبل المال، فما أفعلُه هو بفضل موهبة أعطاني أيّاها الله مِن أجل أخي الإنسان... لكنّكم تستطيعون التبرّع مِن خلالي بما شئتم إلى المحتاجين المساكين". أعلم أنّني كنتُ نصّابًا كشأن أبي، لكنّني لم أخشَ مِن دخول السجن مثله بغياب أدلّة على ما أفعلُه بفضل بخوف زبائني مِن العار والشماتة. عملي كان مُربحًا وآمنًا وهذا ما يطلبُه كلّ منّا مِن عمله... أليس كذلك؟

وفجأة تعرّفتُ إلى الحبّ. كنتُ حتى ذلك الحين مركّزًا على الربح والتدجيل وتطوير معرفتي بالصنف البشريّ، لأنال ما يُمكنّني مِن جيوب المغفّلين، ولَم أفكّر أنّ لي أيضًا حياة عاطفيّة شأن باقي البشر. كان اسمها تغريد، وهي جاءَت إلى البيت مع أختها الكبرى التي كانت تعاني مِن مشاكل عاطفيّة أدَّت إلى اكتئاب حاد ومشاكل صحّيّة. وكانت تغريد مختلفة عن النساء اللواتي قدِمن إليّ، مختلفة برقّتها وجمالها وبراءتها، ورأيتُ فيها الطيبة التي كان يفتقدُ إليها قلبي الذي كان جائعًا للمال والشهرة. إستمعتُ إلى الأخت، وبعمليّة حسابيّة بسيطة وجدتُ أرقامها السحريّة التي تجلب لها الحظ، ومِن ثمّ قرأتُ طالعُها بالفنجان وأعطَيتُها نصائح لا أتذكّرُها تمامًا. ولم أنسَ أن أقول لها أن تعود بعد أسبوع... مع أختها طبعًا.

وصارَت الفتاتان تأتيان إليّ كلّ أسبوع، لكنّ الأخت لم تتحسّن بل صارَت حالتها تسوء. نصحتُها بعدم الذهاب إلى الطبيب بل شرب أعشاب أعطَيتُها لها كنتُ قد أخذتُها مِن مطبخ أمّي خلسة، وركّزتُ على تغريد التي بدأَت تلين وتظهر لي إعجابًا واضحًا. ومع أنّ وزن الأخت بقيَ يخفّ وزادَ شحوب وجهها والإسوداد تحت عَينَيها، فقد منعتُها مِن رؤيّة أيّ أحد غَيري خوفًا أن أخسَرَ التي سكَنت قلبي.

الحقيقة أنّني كنتُ مُغرمًا جدًّا بتغريد وأنوي الزواج منها، بعد أن صارَت كلّ ما ومَن أفكّر فيه، وكان يلزمني بعض الوقت للتحكّم بعواطفها تجاهي. فالمشكلة أنّ تلك الفتاة لم تكن مِن اللواتي تذهبنَ في موعد، بل كانت مهذّبة جدًّا لا تبرح المنزل لوحدها. وكانت زياراتها لي مع أختها هي الفرَص الوحيدة لأراها وأجلس معها.

 

قد يهمّكِ أيضاً