كيف خلّصت أولادي من أبيهم

كيف خلّصت أولادي من أبيهم

وحين أصبحَ ابننا في سنّ يسمح له بالعمل، كان قد حان الوقت له ليلتحق بالخدمة العسكريّة، الأمر الذي كان يعني ابتعاده عن البيت واختلاطه بشبّان مِن عمره كانوا سيُقوّونَه بإخباره كيف يعيشون في بيوتهم، ناهيك عن الخدمة بحد ذاتها التي كانت ستجعل منه رجلاً بكلّ معنى الكلمة.

عندها قَصَدَ خالد طبيبًا نفسيًّا يعرفه أحد أصدقائه، وأقنعَه بواسطة بعض المال أن يكتب تقريرًا يفيد بأنّ سمعان غير متوازن عقليًّا، أي بكلمات أخرى غير صالح للخدمة. كان زوجي يعلم أنّ ذلك التقرير مقرونًا بالفحص الطبّي الذي سيُجريه طبيب الجيش، سيُعطي ثماره خاصة أنّ ابننا كان يُعاني فعلاً مِن اضطراب الوسواس القهريّ الذي ولّده تخويف خالد له مِن كلّ ما يُحيط به ومِن عدم شعور المسكين بالأمان. فكان ابني يغسل يدَيه مئة مرّة في اليوم، ويخشى الاختلاط بالناس والامساك بأغراض غيره.

ونجحَت خطّة زوجي، ولم يذهب ابننا إلى الخدمة وبقيَ معنا. عندها فتّشَ خالد له عن عمل، وأقنعَه أنّ الوظيفة بمكتب محاسبة هي آمنة خاصة أنّها لا تلزمه بالتواجد مع الناس بل العمل لوحده في مكتب نظيف.

وبالطبع قَبِلَ سمعان لأّنّه كان يثق كثيرًا بأبيه وقليلاً بي بعدما حرَّضَه خالد ضدّي قائلاً: "أخواكَ هربا منها ولكنّكَ انتَ أقوى منهما... كلّ ما عليكَ فعله هو الاستماع إليَّ... دعكَ منها فهي ليست فالحة سوى للطبخ والتنظيف... خلاصكَ معي أنا".

وهكذا بدأ زوجي يأخذ راتب سمعان الذي لم يكن للحقيقة بحاجة إليه، لأنّه لم يكن يخرج أو يشتري شيئًا سوى الكتب. كان يترك له القليل كي لا يثور يومًا ضدّه، الأمر الذي سمَحَ له بشراء ما يقرأه عندما يعود مِن العمل. وأنا كنتُ أتفرّج عليهما غير قادرة على فعل شيء بعدما أمسيتُ مبعدة ومكروهة.

وكان زملاء سمعان يُقيمون الحفلات والسفرات، وبالرّغم مِن خوفه مِن الأنضمام إليهم كان يحسدهم ضمنيًّا، وحين قال ذات مرّة لأبيه أنّه يودّ الذهاب معهم في رحلة سياحيّة داخل البلاد، صَرَخ به خالد:

 

ـ هل فقَدتَ عقلكَ؟ تريد أن تموت؟ قد ينقلب الباص بكم أو تقع وأنتَ تمشي في تلك الأماكن الوعرة أو تأكل شيئًا يُسبّب لكَ التسمّم! أيّها المسكين! مِن الجيّد أنّكَ أخبرتَني بالأمر... وإلا لحصَلَت لكَ مصيبة!

 

قد يهمّكِ أيضاً