كان نصفي الآخر أقرب مما تصورت

كان نصفي الآخر أقرب مما تصورت

كان على حقّ، لِذا دعوتُه للدخول وأجلستُه في الصالون لأحضّر الشاي. تمنَّيتُ لو أستطيع البقاء في المطبخ وعدَم الخروج إلى الصالون، لأنّني كنتُ أجهل كيف أتصرّفُ مع ضيفي. إلا أنّه لحِقَ بي إلى المطبخ بعدما طال انتظاره وقال:

 

ـ لما لا نشربُ الشاي هنا؟

 

جلَسنا إلى طاولة المطبخ، وسادَ صمتُ طويلٌ كسرَه عصام بِسرده ظروف قدومه إلى المبنى. أخبرَني عن زوجته التي عانَت مِن مرض حال دون إنجابهم الأولاد وأدّى إلى وفاتها. لَم أخبره شيئًا عنّي فماذا أقولُ له؟ أنّني صرتُ كالحيوان البرّي لا أعرفُ كيف أتعامل مع الناس؟ إلا أنّه كان يعلمُ ظروف حياتي مِن الذي سمِعه مِن باقي الجيران. وقَبل رحيل عصام ورجوعه إلى بيته قال لي:

 

ـ تشرّفتُ بمعرفتكِ يا آنسة وداد.

 

ـ أنا آسفة جدًّا على تصرّفي يا أستاذ عصام.

 

ـ عصام، ناديني عصام وسأُناديكِ وداد، إن لَم يكن لدَيكِ مانع طبعًا.

 

ـ حسنًا... عصام.

 

ـ أنا أمشي كلّ يوم في الصباح الباكر قبل الذهاب إلى العمل. لِما لا تأتين معي؟

 

ـ لا أدري إن...

 

ـ أنا إنسان خلوق، ثقي بذلك. كلّ ما في الأمر أنّنا سنمشي قليلاً ثمّ يعودُ كلّ منّا إلى أشغاله.

 

ـ حسنًا.

 

لَم أنَم جيّدًا تلك الليلة لأنّ ما حدَث لي زعزَعَ نمَط حياتي... إلى جانب تفكيري بوسامة عصام. خطَرَ طبعًا ببالي أن أعتذر عن المشي معه في الصباح، لكنّني عدَلتُ عن ذلك كي لا يسخرَ منّي.

كان مشوارنا أخفّ وطأة ممّا تصوّرتُ، فلَم يُكلّمني عصام كثيرًا بل اكتفى بالمشي بِصمت كي لا يُخيفني. مشينا في اليوم الذي تلا وكلّ يوم بعد ذلك وبدأتُ أعتادُ على وجوده.

بعد فترة، صرتُ وعصام نتبادل وصفات الطعام ونتبارى مَن ينجحُ أكثر في تنفيذها ونأكلُها سويًّا في مطبخي. كنتُ سعيدة لكن بِحذر، فلَم أكن مُعتادة على تلك السعادة وخفتُ أن أفقدَها وأعود إلى وحدتي. لَم أخبِر أحدًا عن عصام إذ خجلتُ مِن أن يكون لامرأة بسنّي صديق.

على مرّ الأيّام، وجدتُ أنّ بيني وبين عصام أمورًا مُشتركة عديدة. فكان الأمر وكأنّه يقرأ أفكاري إذ أنّنا كنّا مُتّفقَين على كلّ شيء ولَم يحصل أن تضاربَت آراءنا. كبُرَ إعجابي به حتى تحوّلَ إلى حبّ. كتمتُ شعوري لأنّني لَم أعرِف إن كان جاري يُشاطرُني ذلك الاحساس فتجنّبتُ خَيبة قد تؤذيني كثيرًا. الأمر الذي حيّرَني بِعصام هو أنّه بقيَ يتصرّفُ معي كصديق وليس أكثر، فقد يكون قد وجَدَ فيّ رفيقة وحسب.

بعد سنة، دقّ جاري بابي وباقة ورد في يده. تفاجأتُ للأمر فقال لي:

 

ـ هذه الورود لكِ... بِمناسبة عيدنا.

 

ـ عيدنا؟

 

ـ أجل، منذ سنة، أي مثل هذا اليوم، إتّهمتِني بِمحاولة سرقتكِ.

 

ضحكنا كثيرًا لتلك الحادثة ثمّ نظرَ إليّ عصام وأضافَ:

 

ـ ومنذ سنة تغيّرَت حياتي فلَم أكن لأفكّر بأنّ قلبي سيدقُّ ثانية... وداد، كلّ ما أفكّرُ به هو ربط حياتي بِحياتكِ... إلى الأبد. هل تقبلين بي زوجًا لكِ؟

 

شعرتُ وكأنّ قلبي قد توقّفَ عن الخفقان للحظة، ولَم أعُد قادرة على الكلام أو حتى الوقوف، فجلستُ على الأريكة بعد أن امتلأت عينايَ بالدموع. خافَ عصام أن تكون ردّة فعلي تعني الرفض، فأسرَعَ بالقول: "قد تكوني بِحاجة إلى المزيد مِن الوقت للإجابة على سؤالي."

إلا أنّني أمسكتُ بِيَده وقلتُ له بِصوت خافت: "لا...فلقد أضعتُ الكثير مِن الوقت حتى الآن". وسكتُّ للحظات ثمّ أضفتُ: "أجل يا عصام، أقبلُ بكَ زوجًا لي... أجل، أجل!".

ولأوّل مرّة في حياتي عرفتُ كيف تكون القبلة، وفهمتُ كيف تكون الحياة والحبّ والأمل. كان رجل حياتي يعيشُ في المبنى نفسه وكان القدر قد قرَّرَ أن نلتقي منذ البدء.

لقد أضعتُ سنينًا مِن حياتي، في حين كان بإمكاني أن أهتمّ بنفسي وبِغيري في الوقت ذاته، وليس وضع حياتي وأنوثتي جانبًا. لستُ آسفة على شيء بعدما وجدتُ عصام، لكن ماذا لو لَم أخرج في ذلك اليوم؟ ماذا لو قرَّرَ عصام الإنتقال مِن شقّته قبل أن نلتقي؟

 

حاورتها بولا جهشان

قد يهمّكِ أيضاً