كان نصفي الآخر أقرب مما تصورت

كان نصفي الآخر أقرب مما تصورت

لقد كان نصفي الآخر يعيشُ في المبنى نفسه! أجل، وفي الطابق الرابع بالتحديد. لَم أعلَم بِوجود عصام لأنّني، وبكلّ بساطة، لَم أخرج مِن البيت لِسنوات طويلة إلا في مُناسبات نادرة كالأفراح أو الأتراح. باقي الوقت كان أخوَتي هم الذين يهتمّون بِجلب الحاجيّات. هل فعلوا ذلك لإراحتي أم لأنّني لَم يكن يجدر بي تَرك مهامي ورؤية العالم الخارجيّ كي لا يُغريني شيء ويزرعُ أفكارًا في رأسي؟

كنتُ قد سمعتُ أنّ أرملاً جاءَ ليسكنُ في المبنى، لكنّ ذلك حدث منذ وقت طويل ولَم أعِر الأمر أهميّة ولَم تقَع عيناي عليه بتاتًا... حتى ذلك اليوم.

كنتُ قد بدأتُ أشعرُ بالوحدة والخمول، وقرّرتُ أخيرًا أنّ عليّ الخروج لِمُمارسة رياضة المشي. فكّرتُ أيضًا بالمرور بالسوبر ماركت لِجلب ما أريدُه بدلاً مِن أن أطلبَ توصيل الأغراض إلى البيت. وذلك القرار جاء بعد تفكير عميق وتشجيع لِنفسي، فقد كانت تلك خطوة هامّة بالنسبة لي. إحترتُ ماذا أرتدي، فلَم أكن حتى ذلك الوقت مُهتمّة بِملابسي، لأنّني لَم أكن بِحاجة إلى الإهتمام بِمظهري. حين صرتُ جاهزة، أخذتُ نفَسًا عميقًا وفتحتُ الباب الذي كان يطلّ، مِن دون أن أدري، على باقي حياتي.

مشيتُ قليلاً في الأحياء المُجاورة ولَم أكن مُرتاحة للأمر. تفادَيتُ النظَر إلى المارّة بِداعي الخجَل ثمّ دخلتُ السوبر ماركت. تلذّذتُ بالنظر إلى المُنتجات العديدة الموضوعة على الرفوف وملأتُ سلّتي بِفرَح. عند وصولي إلى الصندوق وقفَ ورائي رجل في العقد الخامس مِن حياته وألقى التحيّة عليّ بتهذيب. إستدرتُ نحوه وردَدتُ له سلامه سائلةً نفسي عن دوافعه، ثمّ أخذتُ أكياسي وأتّجهتُ إلى البيت.

لكنّ ذلك الرجل مشى ورائي طوال الطريق، الأمر الذي أثارَ شكوكي. أقنَعتُ نفسي بأنّها صدفة بحتة، إلا أنّه بقيَ ورائي إلى أن وصلتُ المبنى. عندها انتابَني خوفٌ شديد، وندِمتُ أن أكون قد خرجتُ مِن مسكني حيث كنتُ بأمان.

تصوّرتُ أنّ الذي لحِقَ بي سينشلُني أو يعتدي عليّ، ولذلك نظرتُ مِن حولي ولَم أجد أحدًا بإمكانه انقاذي منه. عندها توقّفتُ فجأةً وصرختُ بالرجل:

 

ـ ماذا تُريدُ منّي؟ هل تُريدُ مالاً؟!؟ خذ كلّ ما لدَيّ وارحَل! لستُ غنيّة بل أعيشُ مِن الذي يُعطونَه لي أخوَتي!

 

وقفَ الرجل ينظرُ إليّ بِدهشة، بينما كنت أفتحُ حقيبة يدي وأُخرِجُ منها بعض المال. مدَدتُ له كلّ ما كان لدَيّ طالبةً منه تركي بِسلام. ضحِكَ الرجل عاليًا وقال:

 

ـ لا، شكرًا سيّدتي. كلّ ما في الأمر أنّني عائدٌ إلى بيتي. فأنا أسكنُ في الدور الرابع وإسمي عصام. لقد رأيتُكِ مِن قبل، مرّة أو اثنتَين... تعيشين في الطابق الثاني، أليس كذلك؟

 

إحمرَّ وجهي وتمتمتُ: "نعم".

أردتُ الإعتذار، إلا أنّني فضّلتُ الإسراع بِدخول المبنى مِن كثرة خجَلي، وصعدتُ السلالم كي لا أضطرُّ لِركوب المصعد مع جاري. وصلتُ الشقّة وأقفلتُ الباب بِسرعة، وجلستُ على الأريكة أفكّرُ بالضرَر الذي ألحقَته بي عُزلتي. لَم يتسنَّ لي التفكير مطوّلاً، لأنّني سمعتُ الباب يُقرَع. نظرتُ مِن الثقب ورأيتُ عصام. سألتُه عمّا يُريدُه فصَرَخَ لي:

 

- إفتحي أيتّها الجارة الخوّافة! لقد نسيتِ أحد أكياسكِ على الرصيف وها أنا أُعيدُه لكِ! هيّا إفتحي!

 

كنتُ قد تصرّفتُ بِسخافة مرّتَين مع الشخص نفسه ففتحتُ له مُعتذرة. عندها فقط رأيتُ ملامحه جيّدًا فوجدتُه وسيمًا، الأمر الذي جلَبَ الإحمرار إلى وجهي. أعطاني عصام كيسي ثمّ قال لي:

 

- أستحقّ كوبًا مِن الشاي، أليس كذلك؟ هذا أقَلّ ما يُمكنكِ فعله مِن أجلي

 

قد يهمّكِ أيضاً