كانت ستُصبح لي عائلة

كانت ستُصبح لي عائلة

صِرتُ أذهب إلى الشاليه ليس فقط في فصل الصيف لا بل في كلّ الفصول، لأرى وفاء وأكون قربها. كانت الطريق صعبة وطويلة لكنّني لم أكن أشعر بالتعب. بالطبع لاحَظَ الجميع حماسي للذهاب إلى الجبل، وشكّوا بوجود حافز قويّ لذلك، لكنّهم لم يتصوّروا أنّ التي ملكَت قلبي هي ابنة مزارعين بسطاء لا تليق بشاب سيدخل بعد أشهر أكبر جامعة ليكون له أفضل مستقبل.

لم أعلّق أهميّة على أصول حبيبتي المتواضعة، فكلّ ما كان يهمّني هو كيفيّة الحصول على قبلة منها، بعدما رضيَت أخيرًا أن تكلّمني وتوافيني سرًّا إلى مكان حيث لا يرانا أحد.

ولأنّ وفاء كانت أيضًا تحبّني وتفكّر بي ليلاً نهارًا، فقد قبِلَت بإعطائي القُبَل التي حلِمتُ بها. كنتُ أسعد شاب بالدنيا، لكنّ سرعان ما لَم يعد ذلك يكفيني. فالرّجال أينما كانوا وبأيّ عصر عاشوا لا يُحبّون كالنساء لمجرّد الحب، أعني أنّ لدَيهم طريقة مختلفة للتعبير عن مشاعرهم: الجنس.

دخلتُ الجامعة وصارَت مشاويري إلى الجبل قليلة بسبب دراستي، لكنّ حبّي لوفاء لم يضعف بل زادَ بسبب البُعد. لم يكن لدَينا آنذاك هواتف خلويّة للتخابر وشعرتُ بعزلة تامّة. وفاء، مِن ناحيتها بقيَت هي على العهد، وصارَت تنتظر قدومي بفارغ الصبر. وفي تلك الحقبة بالذات تقرَّرَ مصيرنا، لكن ليس بالطريقة التي تصوّرناها أبدًا.

في أوّل فرصة أُتيحَت لي، ركضتُ إلى حبيبتي، ولكثرة شوقنا لبعضنا، وافقَت وفاء على ملاقاتي في الشاليه. وهناك حصَلَ الذي لم يكن ينبغي أن يحصل. لكنّنا لم نكن نادمَين على شيء، لأنّنا، في تلك الليلة بالذات، إتّفقنا على الزواج.

وعندما عدتُ إلى المدينة، كنتُ إنسانًا سعيدًا للغاية. لم أفكّر بسنّي والمستقبل الذي أعدَّه لي أهلي، لم أفكّر سوى بوفاء ورائحتها الزكيّة وبشرتها الناعمة.

وحين أخبرتُ والدَيَّ عن نيّتي بالزواج مِن إبنة المزارع، ضحكا عاليًا، الأمر الذي أغضَبني كثيرًا. لم أكن أمزحُ أبدًا، بل كنتُ جدّيًّا للغاية، إلا أنّني واجهتُ رفضًا قاطعًا لم أحسب له حسابًا. فلطالما سمعتُ والدَيَّ يتكلّمون عن وجوب محو الفارق الإجتماعيّ بين الناس، وعن حبّهم للجميع وخاصّة للفقراء منهم. لكنّ ذلك كان كلامًا في الهواء، فحين شعروا أنّ "حامل إسم العائلة" سيقترن بإنسانة شبه أميّة أهلها لا أصل لهم ولا فصل، مانعا بكلّ قوّتهما وبدآ يُهدّداني بشتّى العقوبات.

أوّل شيء فعلاه كان التوقّف عن مدّي بالمال، أي أنّني لم أعد قادرًا على الذهاب إلى وفاء أو حتى التفكير بالزواج منها، لأنّني لم أكن سوى طالب جامعة لا مصدر رزق لي سوى مصروفي. مِن بعدها، حاصَرَني الجميع ولم أعد حرًّا بتحرّكاتي. بعثتُ رسالة مع أحد أصدقائي لوفاء لأُطَمئنُها كي لا تظنّ أنّني تخلّيتُ عنها.

يومها لم أعلَم أنّ الرسالة لم تصل لحبيبتي، لأنّ أهلي مارسوا على ذلك الصّديق ضغطًا كبيرًا.

مِن جهّتها، بقيَت وفاء مِن دون أخبار منّي واحتارَت المسكينة لأمرها، خاصّة أنّها وجدَت نفسها حاملاً منّي. نعم، كان القدر قد شاء أن تحمل مِن ليلتنا الأولى والوحيدة، وكأنّ مصيرها كان مرسومًا منذ البدء. فهكذا حدَث كان ولا يزال يُعدّ مصيبة كبيرة، لا بل عارًا لا يغسله سوى الزواج... أو الموت.

 

قد يهمّكِ أيضاً