قصّة خالي العجيبة

قصّة خالي العجيبة

كان قد قالَ ذلك بهدوء تام، لِذا خلتُ أنّ المشهد لَم يحصل سوى في مُخيّلتي حتى رأيتُ وجه أمّي ونظراتها لأخيها. لَم أحلَم إذًا، كان خالي قد كلَّمَ جدّيًّا قناعًا خشبيًّا! ثمّ عادَ الرجل إلى طبيعته وأكمَلَ حديثه معنا عن إعادة هندسة الحديقة. أسرَعنا بالعودة إلى البيت، وطوال الطريق لَم تتفوّه والدتي بكلمة مع أنّ كان لدَيّ مئة سؤال لها. وحين كنّا على وشك دخولنا بيتنا قالَت أمّي:

 

ـ إيّاكِ أن تتفوّهي بكلمة عمّا حصَلَ... خاصّة لأبيكِ فهو يغارُ مِن نجاح عماد وثروته وينتظرُ أقلّ فرصة ليشمتَ به.

 

ـ لكن... ما بال خالي؟

 

ـ لستُ أدري، لستُ أدري... إنسِ الموضوع نهائيًّا!

 

إنشغَلَ بالي لأيّام طويلة، إلى حين دعانا خالي كلّنا لتناول وجبة العشاء في قصره. حاولَت والدتي التملّص مِن تلك الدعوى لأسباب باتَت معروفة لدَيّ، إلا أنّ أخاها بقيَ مُصرًّا. وهكذا رحنا إليه.

كان المكان مُظلمًا ومُضاءً بالشموع والشعلات، ربمّا لخَلق أجواء إفريقيّة، وكانت هناك موسيقى غريبة شبيهة بقرع طبول خفيفة. بكلمة، خلتُ نفسي حقًّا في بلد مِن بلاد القارّة السوداء لكنّ شيئًا لَم يكن مُطَمئنًا أبدًا. وحده أبي كان على سجيّته، أي يُطلقُ الدعابات ويسألُ مئة سؤال.

كان العشاء لذيذًا وغريبًا في الوقت نفسه، قدّمَته المرأة نفسها وزوجها وفتاة صغيرة إستنتجتُ أنّها إبنتهما. ثمّ انتقَلنا إلى صالون صغير وهناك حصَلَ ما لن أنساه في حياتي.

فبعد أن قُدِّمَت القهوة، سكَتَ خالي فجأة، كما حصَلَ في المرّة السابقة، وحبسَت أمّي أنفاسها ونظرَت إليّ، قبل أن يقومُ عن كرسيّه ببطء ويتوجَّهَ إلى تمثال خشبيّ كبير ويضَعَ يدَه عليه قائلاً:

 

- دَعني أبقى لدقائق بعد... فلَم يحن الوقت ولدَيّ ضيوف... أرجوكَ... دقائق قليلة.

 

ولحظة ما انتهى مِن الكلام، وقَعَ عماد أرضًا، وانتابَته تشنجّات عنيفة وبدأَ يُتمتِم كلمات بلغة غريبة. ركَضَ أبي ليُسعفه إلا أنّ أمّي بقيَت جالسة مكانها، الأمر الذي استغربتُه. وفي غضون لحظات، دخَلَ "بكاري" وزوجته وحملا خالي إلى غرفته ليرتاح وطلبا منّا الرحيل بِحَزم. حاوَلَ والدي طلَب طبيب لأخ زوجته، إلا أنّ الثنائيّ أكّدا له أنّ خالي سيكون بخير وأنّه لا يحتاج سوى لبعض الراحة.

لَم يشمُت أبي بِخالي كما تصوّرَت أمّي بل حزِنَ مِن أجله، فكان مِن الواضح أنّ الرجل يُعاني مِن خطب ما، وبدأ يستعرضُ الإحتمالات العديدة التي سبَّبَت لِعماد تلك العوارض. إحداها كان طبعًا السحر الأسود. كان الأمر قد خطَرَ ببالي، لِذا ارتجفتُ حين سمعتُ كلمة "سحر" وبدأَ قلبي يدقُّ بسرعة. عاتَبت أمّي زوجها لذكر هكذا أمور أمامي، إلا أنّ الضّرَر كان قد حلّ: صرتُ أرى كوابيس مُخيفة للغاية أثناء نومي وأستفيق صارخة. ولقد سكَنت تلك الأقنعة والتماثيل المُخيفة عقلي بصورة دائمة، ولعَنَت والدتي ساعة عودة أخيها مِن السفَر.

لَم يعُد يزورُ أحد خالي عماد بعد أن مَنَعَ خادمه دخول البيت لأيّ كان، وخفتُ أن يكون هو وعائلته وراء داء خالي، فقد كان هؤلاء الناس يتصرّفون بغموض تام وكأنّهم يملكون المكان ولا يعملون فيه. أبي كان مِن رأيي واقترَحَ أن نطلُب الشرطة لاقتحام المكان وإنقاذ عماد مِن مخالبهم وسحرهم. وحدها أمّي لَم تكن خائفة على ما يبدو على أخيها، ووعدَتنا بأن تذهب إلى القصر للإطمئنان عليه. كنتُ أريدُ مُرافقتها مع أنّني كنتُ خائفة جدًّا، إلا أنّ فضولي كان الأقوى. لكنّها منعَتني مِن ذلك، فقرّرتُ اللحاق بها خفيةً.

دخلَت والدتي بيت عماد، وبعد دقائق قليلة رحتُ أنقرُ على باب البيت المُخصّص لعائلة الخدَم الموجود في آخر الحديقة. فتحَت لي الفتاة الصغيرة وابتسمَت لي بعد أن تذكّرَتني جيّدًا. طلبتُ منها إدخالي البيت الكبير خلسةً، بِلغة الحركات إذ أنّها لا تُجيدُ لغتنا، وهي ضحكَت بحماس ظانةً أنّها لعبة ما. أخذَتني بيَدي إلى باب خلفيّ يؤدّي إلى مطبخ كبير ثمّ اختفَت. لحقتُ صوت أمّي لأجدها جالسة في الصالون مع خالي، فاختبأتُ خلف الحائط وسمعتُ حديثهما:

 

ـ هل تشعر بتحسّن يا أخي؟

 

ـ أجل، أجل، لا تُشغلي بالكِ.

 

قد يهمّكِ أيضاً