قدَري

قدَري

ضحِكَت المرأتان وقالَت لي السيّدة المسنّة التي كان اسمها مرفَت:

 

ـ لا تخافي... ما عَنَته المديرة هو أنّكِ ستنتقلين إلى مدرسة خاصّة حيث تتلقَّين علمًا يُساعدكِ على الخروج مِن حالتكِ.

 

ـ لا أريد ترك مدرستي! كل رفاقي هنا وأنا أحبّ مدرّستي! على كل حال، لن يقبل والدايَ بالأمر.

 

لم تجب السيّدة، بل اكتفَت بالنظر إليّ بإعجاب واضح وتمتمَت: "طبعها مشابه تمامًا لطبع صغيرتي."

أرسلَتني المديرة إلى الصف، وكنتُ مستاءة جدًّا لدرجة أنّني لم أسمع كلمة واحدة مِن الذي قالَته المدرّسة. وحين عدتُ إلى البيت، لاقَتني أمّي بفرح كبير وقبّلَتني بقوّة قائلة: "كنتُ أعلم أنّكِ مميّزة!"، مع أنّها لم تُبدِ يومًا أيّ إعجاب بشخصيّتي بل على العكس تمامًا. لم أقل شيئًا مِن الذي حصَلَ عند المديرة لأخوَتي، ربما لأنّني اعتقَدتُ أنّ رفضي كان كافيًا، لكنّ العائلة بأسرها كانت تعلم أنّني اختُرتُ للذهاب إلى أفضل مدرسة في البلاد. لماذا أنا وليس إحدى أخواتي أو رفيقاتي في الصف؟ لم أكن أعلم السبب آنذاك، وبقيتُ أرفض تغيير عاداتي وتمسّكتُ بفقري قدر المستطاع.

... وجاءَت الفرصة الصيفيّة ونسيتُ الموضوع، لكن عند استئناف الدروس، وصلَني طرد يحتوي على زَيّ مدرسيّ أنيق وثياب أخرى جميلة جدًّا. فهمتُ أنّني خسرتُ معركتي، فرضختُ للأمر الواقع لأنّني كنتُ لا أزال في الثامنة مِن عمري. لكن ما لم أكن أعلمه، هو أنّني كنتُ سأعيش في المدرسة التي كانت داخليّة، فبدأتُ بالصّراخ والبكاء. لم أستطع تغيير رأي والدَيّ، لأنّهما كانا يعلمان أنّها فرصة ذهبيّة لي... ولهم في المستقبل. حتى إخوَتي وأخواتي كانوا مِن رأيهما، فاضطرِرتُ للرضوخ.

تركتُ المنزل والدّموع تنهمر على خدَّيّ، ولم أكن أدرك آنذاك أنّ ذلك اليوم كان بداية حياة جديدة.

أحببتُ مدرستي الجديدة وكلّ شيء فيها، ونشفَت دموعي نهائيًّا، فقد اكتشفَتُ هناك أنّني لستُ فتاة عاديّة بل أتحلّى بنسبة عالية مِن الذكاء، ففي هكذا مؤسّسات، يعملون على تنمية قدرات الطالبات.

تعلّمتُ أيضًا حسن التصرّف في المجتمع وكلّ ما يلزم لفتاة وصبيّة راقية. وكنتُ أزور أهلي كلّ نهاية أسبوع وكنتُ سعيدة لرؤيتهم بالرغم مِن أنّني صِرتُ أستوعب كم أنّهم بسطاء بعَيشهم وتفكيرهم. لم أتعالَ عليهم يومًا بل بدأتُ أشعر تجاههم بعاطفة كبيرة بعد أن أدركتُ مدى صعوبة أحوالهم. كنتُ أعطيهم كلّ ما أتقاضاه مِن مصروف، إذ كانت السيّدة مرفَت تبعث لي بعض المال أسبوعيًّا، لكنّها لم تأتِ لرؤيتي إلا بعد سنة. ركضتُ إليها وقبّلتُها بقوّة لكثرة امتناني لها. وهي بكَت بصمت وسألَتني عن أحوالي في المدرسة، وإن كنتُ سعيدة فيها. جلسنا لمدّة ساعَتين ومِن ثمّ غادرَت.

لم أسأل نفسي لماذا كلّ هذا الاهتمام بي، لأنّني كنتُ لا أزال صغيرة وآخذ الأمور كما هي، مِن دون محاولة فهم الدوافع والأسباب، وركّزتُ على دراستي بعد أن صِرتُ مِن الأوائل في صفّي. وأنا لو بقيتُ في مدرستي القديمة لرسبتُ حتمًا، وتركتُ المدرسة لكثرة يأسي وعدَم الايمان بنفسي.

 

قد يهمّكِ أيضاً