فرصة ثانية

فرصة ثانية

شاءَت الظروف، أم أنّ ذلك كان مِن فعل القدر، أن نعيش نساءً لوحدنا. في البدء كان هناك أبي طبعًا الذي لم يُنجب من أمّي سوى البنات، أربع بنات بالتحديد، وكان الأمر يُزعجه إلى أقصى درجة، لأنّ ما مِن ذكر سيحمل اسمه ولأنّه كان يملّ برفقتنا.

وجراء ذلك كان والدنا قاسيًا معنا، يصرخ بنا مِن دون سبب، ويصبّ استياءه على المسكينة أمّي وكأنّها هي المسؤولة عن إنجاب البنات، مع أنّ مِن المعلوم أنّ كروموزومات الرّجل هي التي تحدّد جنس الطفل؟

وأمام هذا الطغيان المجانيّ تكاتفنا مع أمّي والتفَّينا حولها، الأمر الذي أعطانا قوّة وخلَقَ أخيرًا الخوف في قلب أبي. ومع مرور السنوات صارَ الحلقة الأضعف بعدما استوعَبَ أنّه خلَقَ منّا عدوّات له.

لم نكن نحبّ ذلك الرجل الذي عاملنا وكأنّنا مخلوقات ناقصات وُجِدَت لتلقّي الأوامر والإهانات، لذا لم نحزن عندما مات، بل بالعكس، شعَرنا أنّنا أخيرًا سنتمكّن مِن العيش بشكل طبيعيّ وما هو أهمّ: بكرامة.

لبسنا الأسود على والدي مدّة أسبوع واحد، فلم يكن يستحقّ منّا أكثر مِن ذلك لأنّه نسيَ أن يقوم بدوره كمرشد وراعٍ لبناته ومصدر أمان لزوجته. فقد عاشَ ذلك الرجل وكأنّه وحيد وسط سرب مِن الخادمات، ومارَسَ رعبه علينا ولكنّه لم ينَل حبّنا أو حتى احترامنا.

ومع رحيله بدأنا نبتسم ونضحك ونخطّط، أشياء لم نكن نفعلها سابقًا. أتذكّر يوم سمِعتُ فيه أمّي تغنّي وهي تحضّر الطعام. كان صوتها جميلاً للغاية وكانت تميل بجسدها يمينًا وشمالاً ولاحظتُ فجأة كم هي جميلة. كانت لا تزال في الأربعين مِن عمرها، وخَطَرَ ببالي أنّ عليها أن تتزوّج مِن جديد وتجد مَن يُشعرها بجمالها وأنوثتها، بعد أن أخَذَ أبي شبابها منذ ما كانت في السادسة عشر مِن عمرها.

تحدَّثتُ مع أخواتي بالأمر ووافقَنني على الفور. فنحن أيضًا كنّا بحاجة إلى وجود رجل متزّن يُقنعنا بأنّ الرّجال ليسوا كلّهم مثل أبي، فكنّا في سنّ الزواج ولم نكن نجرؤ على المواعدة خوفًا مِن أن نعيد خطأ والدتنا.

كان هناك مسعود، جارنا في الحيّ، وكان أرملاً ووحيدًا لأنّه لم يُنجب، ورأيناه مناسبًا ليكون زوجًا لأمّنا.

 

قد يهمّكِ أيضاً