فتاة شريرة!

فتاة شريرة!

عدتُ في اليوم التالي بحماس، وكانت الفتاة تنتظرُني لبدء الدرس، وكان اليوم مُثمرًا إلا أنّ رندا قالَت لي والدمع يملأ عَينَيها:

 

- يا لَيتنا ندرسُ غدًا في غرفة والدَيَّ، فالماما مُسافرة عند خالتي ولقد اشتقتُ لها كثيرًا... هكذا لن أشعرَ بِبُعدها.

 

قبلتُ معها فكلّ ما كان يهمُّني هو أن أنجحَ في تلقينها المعلومات الكافية لتتقدّم في علمها ويدومُ عمَلي أطوَل وقت مُمكن.

درَسنا في غرفة والدَي رندا، واستمرَّينا لأسبوع في ذلك المكان حتى أنّ الفتاة قالَت لي إنّها تودُّ العودة إلى غرفتها لأنّها اشتاقَت إلى ألعابها. لَم أُمانع طالما كان الوفاق يسودُ بيننا.

أحبَّتني أخيرًا رندا فقد صارحَتني قائلة:

 

- أشعرُ بالأمان معكِ يا آنسة ماجدة، فأنتِ صرتِ بمثابة أمّي الثانية... هل أنتِ ممتنّة منّي؟ ها أنا أجتهدُ مِن أجلكِ وكلّ ما أُريدُه هو أن تُدرّسيني مدى حياتي!

 

إبتسمتُ لقولها هذا ووعدتُها بأن أبقى مدّة حاجتها لي. أب رندا كان هو الآخر ممتنّاً مِن عمَلي، ووعدَني بعلاوة إن تبّينَ له أنّ إبنته حصلَت على علامات جيّدة، فزِدتُ إصرارًا على النجاح في مُهمّتي. سألتُه عن زوجته، ليس بدافع الفضول، بل لأنّ غيابها يُؤثّرُ كثيرًا على نفسيّة الفتاة، فأجابَني بإحراج:

 

ـ زوجتي ذهبَت عند أختها في الخارج لتُريح أعصابها قليلاً.

 

ـ أعصابها؟ ما بها؟

 

ـ علاقتها مع رندا ليست جيّدة... هناك عدَم تفاهم وتناغم بينهما ولقد أثّرَ الوضع على صحّتها النفسيّة.

 

ـ لكنّ الفتاة بحاجة إلى أمّها... ولا يجوزُ أن يستمرّ الوضع طويلاً. إسمَح لي بأن أنصحُكَ بالتدخّل وإرجاع زوجتكَ وإيجاد حلّ على المدى الطويل.

 

ـ للحقيقة لستُ مُتحمّسًا لعودة زوجتي... فهي ليست إمرأة صالحة، أعني مِن الناحية الزوجيّة.

 

ـ ماذا تقصد؟

 

ـ لولا إبنتي لمَا علِمتُ بالذي يحصل.

 

ـ وما دخل إبنتكَ بزواجكَ؟

 

ـ الناس يعتقدون أنّ الأولاد لا يفهمون ما يجري وهم مُخطئون، فالصغار يرون ويسمعون كلّ شيء... وهي التي نبّهَتني إلى ما يدورُ بين زوجتي وعشيقها.

 

ـ كَم مِن الصعب أن تعلمَ فتاة صغيرة بهكذا أمور! يعني ذلك أنّ زوجتكَ لا تُريحُ أعصابها بل غادرَت بسبب فَضح خيانتها؟

 

ـ الأمران معًا... فلقد قرّرتُ مُسامحتها والبدء معها مِن جديد، إلا أنّها لَم تعُد تُطيق التواجد في المكان نفسه مع إبنتنا... تصوّري أنّها تلومُ رندا على فضحها.

 

ـ كلّ ذلك يُفسّرُ تصرّفات رندا، فهي عاشَت أمورًا لا يجدرُ بأيّ فتاة المرور بها... أرجو أن تصطلحَ الأوضاع بينكم جميعًا.

 

بعد ذلك الحديث صرتُ أنظرُ إلى تلميذتي كضحيّة وليس كفتاة مُدلّعة وكسولة، وأخذتُ على عاتقي أن أُعطيها الحنان والإنتباه الذَين حُرِمَت منهما مؤخّرًا.

مرَّت الأشهر بسلام وتقدّمَت رندا بالمدرسة، وصارَت تلميذة جيّدة حين عُرِضَ عليّ عمل كمدّرسة في مؤسّسة تقَع في منطقة بعيدة. لِذا كان عليّ التوقّف عن تدريس رندا لأنّني سأعيشُ على مدار السنة في حرَم مدرستي الجديدة. لَم تتقبَّل رندا الخبَر بتاتًا، بل بكَت وصرخَت وألقَت بدمياتها أرضًا مِن كثرة غضبها. حاولتُ تهدئتها مُشيرةً إلى أنّها صارَت جاهزة للمُتابعة مِن دوني. وفجأةً نظرَت إليّ الفتاة نظرة يُمكنني وصفها بأنّها مليئة بشرّ لَم أتخيّله موجودًا خاصّة لدى أحد بسنّها، وقالَت:

 

قد يهمّكِ أيضاً