عالم الأرواح (الجزء الأول)

عالم الأرواح (الجزء الأول)

قد يخافُ البعض عند قراءة قصتّي، هؤلاء أُطمئنُهم بأنّ هذا الكلام هو مجرّد وسيلة للإستفادة مِن ضعفاء العقول ماديًّا أو معنويًّا، فحتى هؤلاء الذين يعرضون خدماتهم للناس مِن دون مُقابل يكسبون الهيبة والإحترام وأحيانًا الخوف، الأمر الذي يُقوّيهم ويخدمُ مصالحهم.

عادَت إبنتي والتقَت بِجنان في أحد المقاهي للبحث في العالم الآخر، أي عالم الأموات، حتى أن انتهى بهما المطاف في شقّة جنان.

دعوني أخبرُكم عن جنان قليلاً، فتلك المرأة هي مِن عائلة مُتواضعة للغاية، وحدَثَ أنّها ألقَت بشباكها على شاب مُقتدر إستفادَت منه ثمّ رمَته لِتعيش حياتها على سجيّتها. أقصدُ بذلك طبعًا عدد العشّاق الذين تتالوا إلى شقّتها التي اشترَتها مِن المال الذي حصلَت عليه بعد الطلاق. لكنّ المال نفَذَ واحتارَت هي بأمرها إذ اعتادَت على حياة الرخاء ولَم تكن مُستعدّة للتخلّي عنها. وبعد أن وجدَت أنّ عَرض مفاتنها للرجال لم يعد كافيًّا، قرّرَت اصطياد صغيري العقول بِنشر خبَر قدراتها الماورائيّة على مَن حولها. فرَشَت جنان قسمًا مِن الشقّة خصّيصًا لهذا الموضوع، أي رتّبَت زاوية وضعَت فيها طاولة ومصباحًا وكرة مِن الكريستال وورق تبصير، وقرأَت بعض الكتب عن الموضوع إلى أن أصبحَت جاهزة. لَم تكن أسمى طبعًا ضحيّتها الأولى بل التقَت بها بعد أن صارَت مُتمرّسة وبدأَت تجني المال مِن أكاذيبها.

أوهمَت جنان إبنتي أنّها أيضًا تمتلكُ قدرات خاصة، وعرَضَت عليها تعليمها كيف تُظهرُها بِدورها، الأمر الذي ملأ قلب أسمى بالحماس، فهي كانت أخيرًا ستُطبّقُ ما قرأَته طوال سنوات وربمّا تستطيع التواصل مع أبيها الحبيب. لكن تلك الجلسات "التدريبيّة" لَم تكن مجّانيّة، بل صرَفَت إبنتي عليها مُعظم الذي تجنيه مِن عيادتها، مُعتبرةً أنّ ذلك المبلغ هو بمثابة استثمار كما قد يفعلُ الباحثون العلميّون حين يطبّقون نظرياتهم. لَم أشعر بالذي كان يجري إلا أنّ هدايا إبنتي لي صارَت نادرة، ولاحظتُ أنّها لَم تعد تشتري شيئًا لنفسها مِن فساتين وأحذية كما في السابق. وأنا ردَدتُ الأمر لِنضوجها وتركيزها على مهنتها وأعجبَتني الفكرة.

نبّهَت جنان إبنتي بألا تبوح لأحد عن ذلك التدريب وإلا توقّفَت عن إعطائها الدروس، لِذا كانت أسمى تتركُ عيادتها أبكَر مِن اللازم لِتوافي "معلّمتها" في شقّتها، وتجلسُ معها حول الطاولة المذكورة لمُناجاة الأموات. نعم، لَم تستفِد إبنتي مِن العِلم الذي تلقَّته في المدرسة والجامعة قطّ وكأنّ جهودي كلّها ذهبَت سدىً.

عندما قرّرَت جنان أنّ أسمى أصبحَت "شبه جاهزة"، أقامَت لها جلسة مع الأرواح. فبدأ يومِضُ نور المصباح الموضوع قرب الطاولة وصارَت الطاولة تتحرّك ببطء. خافَت إبنتي لكنّ المرأة طمأنَتها بانّ ذلك دلالة على أنّ روحًا إستجابَت للنداء وتركَتها تتحاور مع تلك الروح لوحدها. وأوّل شيء سألَته إبنتي للروح كان عن الحياة بعد الموت، وإن كان أبوها سعيدًا حيث هو. فأجابَتها الروح:

 

قد يهمّكِ أيضاً