طيش اختي

طيش اختي

مع أنّ عايدة أختي كانت تكبرُني بأربع سنوات، فقد كنتُ أوعى منها وأنضج بحيث كنتُ أعيدُها دائمًا إلى صوابها. وهي كانت تكنّ لي إحترامًا كبيرًا وتسمعُ منّي، على الأقل في مُعظم الأحيان.

مشكلة عايدة كانت أنّها تحبّ، وبكثرة، كلّ ما هو ممنوع، أي الشبّان والسّهر وشرب الكحول، في وقت وُلِدنا وكبرنا في بيت بعيد كل البعد عن تلك الأمور، إذ كان والدانا في مهنة التدريس ووضعا لنا أسسًا واضحة وصارمة.

كانت عايدة كلّ ما لدَيَّ، وبقيتُ أحبُّها بالرّغم مِن كلّ الذي فعلَته لاحقًا، لأنّ شيئًا في داخلي كان يجدُ دائمًا لها الأعذار. على كلّ الأحوال، كانت هي مِن الأشخاص الذين لا يُمكنكَ الغضب منهم.

كبرنا وصرنا مراهقات وكنتُ "حجّة غياب" عايدة، التي كلّما أرادَت الإلتقاء بشاب، كانت تدّعي أنّها معي في مكان ما. مِن جهّتي، كنتُ أذهب إلى المجّمع التجاريّ، وأمكثُ هناك لوحدي لساعات بانتظار عودة أختي مِن موعدها. عندها كنّا نجلس وتحكي لي ما حصَلَ معها، وأنا أنصحُها وأحاولُ تهدئة روعها قدر المستطاع.

لكن حين يلعبُ الإنسان بالنّار، لا بدّ له أن يحرق أصابعه، وما كنتُ أخشاه حصل: حملَت عايدة مِن شاب كانت تواعده سرًّا. كنتُ أولى مَن علِمَ بالأمر، وشعرتُ بغضب ممزوج بالأسف والحيرة، فالأمر كان بمثابة قنبلة ستهزّ أسرتنا إلى أقصى حدّ وإلى الأبد. والغريب في الأمر، هو أنّ عايدة لم تكن تعي تمامًا جدّيّة وخطورة الأمر، واكتفَت بالقول: "لماذا كلّ هذا الغضب يا أختي؟ سأتزوّج مِن صديقي وينتهي الأمر!". أمّا أنا فكنتُ أعلم أنّ ذلك الشاب لن يتحمّل مسؤوليّاته، وإلا لَما كان يرى أختي سرًّا. إضافة إلى ذلك، كان لا يزال صغيرًا على الزواج. وما كنتُ أتوقّعُه حصل: رفَضَ ذلك الشاب تحمّل مسؤوليّاته لا بل سافَرَ بعيدًا بمساعدة أهله.

عندها بدأَت عايدة تستوعبُ خطورة وضعها، ولو بعض الشيء، فهي بقيَت تبسّط الأمور وكأنّ الجنين كان سيختفي مِن تلقاء نفسه.

خطَرَ طبعًا الإجهاض ببالنا، فذلك كان خلاص أختي الوحيد، بالرّغم مِن كونه أمرًا غير قانونيّ أو مقبول دينيًّا. لكنّنا لَم نجد مَن يُسعفنا بسبب قلّة خبرتنا ومعارفنا. لِذا، لم يبقَ أمام عايدة سوى إخبار أبوَينا بالمصيبة التي جلَبَتها لنفسها ولنا جميعًا.

كانت ردّة الفعل قويّة جدًّا، فبدأَت أمّي بالبكاء والولولة وأبي أخَذَ يردّد: "ماذا فعلتُ لأستحقّ ذلك؟!؟". وانتظَرنا أن مرَّت العاصفة. فكان والدانا، كما ذكرتُ سابقًا، مدرّسَين، أي أنّهما كانا مثقّفَين وعاقلَين ويستعمِلان المنطق بالتحليل. لِذا حاولا إيجاد الحل المناسب للمحافظة على شرَف ابنتهما، وإنقاذ المولود مِن وسمة العار ولقب اللقيط الذي ينتظرُه. ولم يكن هناك مِن طريقة سوى تزويجها مِن رجل سيقبل بحالتها طوعًا أو بواسطة رشوة ماليّة.

 

قد يهمّكِ أيضاً