ضحيّة ذكائي الخارق

ضحيّة ذكائي الخارق

قضَيتُ ومجد وقتًا ممتعًا في ذلك المطعم اللطيف والبعيد كلّ البعد عن المدينة. إختياره لذلك المكان كان، حسب قوله، بسبب أجوائه الرومنسيّة، لأنّه أرادَ أن أشعر بعاطفته الكبيرة تجاهي. كنتُ بأوج فرحتي، فقد كان اعتراف مجد لي بمثابة انتصار على كلّ الذين اعتبروني غريبة الأطوار، وتنبّأوا لي بحياة جافّة بعيدة عن الحبّ والزواج.

بعد ذلك العشاء، صِرنا نتواعد باستمرار ودائمًا في أماكن بعيدة، ولكن ضمن إطار الأخلاق. فلَم يُحاول مجد حتى معانقتي أو تقبيلي، وفسَّرَ لي الأمر بأنّه احترام فائق لي. لم يكن أستاذي يقضي وقتًا معي، بل يُريد إعطاء علاقتنا صفة شرعيّة حالما أتخرّج، أي بعد سنة ونصف.

لِذا لم أرَ مانعًا لموافاته في شقّته، إذ لَم يكن هناك ما أخشاه. على كلّ الأحوال، كلّ ما كنّا نفعلُه كان التكلّم عن الدّرس والنقاش بمواضيع علميّة بحت. حتى أنّ مجد أعطاني ما أسماه ضاحكًا "فرضًا" أقومُ به بوقتي الزائد، وهو تفسير معادلة وتطبيقاتها عمليًّا. وأنا وجدتُ الأمر مسليًّا، خاصّة أنّه أضافَ:

 

ـ سنرى مَن منّا يصل إلى الحل قبل الآخر! وأنا متأكّد مِن أنّني سأفوز بالرهان!

 

ـ سنرى ذلك... لا تنسى أنّني صبيّة متفوّقة!

 

وكي أثبتَ لمجد أنّني إنسانة تهوى التحدّيات، بدأتُ أفكّر ليلاً نهارًا بتلك المعادلة، وأحاول تفسيرها وتطبيقها بشتّى الطرق. أعترفُ أنّ المهمّة لم تكن سهلة، فالكثير مِن قبلي حاولوا الوصول إلى نتيجة، إلا أنّني كنتُ أتمتّع بعقل ومنطق نادرَي الوجود.

وقبل انتهاء السنة، كان لدَيّ الحلّ وقدّمتُه بفخر لمجد أثناء إحدى زياراتي له. نظَرَ إلى التفسير الذي قرأه بدقائق قليلة، ثمّ عانقَني بقوّة قائلاِ:

 

ـ كنتُ متأكّدًا مِن ذلك! إختياري لكِ كان بمكانه! أنا فخور بكِ، يا حبيبتي.

 

شعرتُ في تلك اللحظة أنّني أمتلكُ الدنيا بأسرها، خاصّة أنّ مجد كان قد عانقَني لأوّل مرّة، واستطعتُ أن أشعر بدفء حنانه.

الفرصة الصيفيّة كانت مملّة، لأنّ حبيبي سافَرَ إلى أوروبا عند أمّه التي كانت مسنّة ولا تتمتعُ بصحّة جيّدة. الشيء الوحيد الذي كان يُعزّيني، هو أنّنا كنّا سنتزوّج بعد سنة، ونعيش مدى الحياة سويًّا ونسافر إلى أمّه يدًا بِيَد.

سنتي الأخيرة في الجامعة تكلّلَت طبعًا بنجاح مُطلق واعتراف عام بتفوّقي. عاطفيًّا كنتُ أيضًا محظوظة، إلا أنّ مجد صارَ مشغولاً بصحّة أمّه في الخارج، بعد أن فضَّل أن تبقى حيث هي لتحظى بطبابة متطوّرة وآمنة. تخرّجتُ بدرجة إمتياز وبدأتُ أتحضّر، ولو نفسيًّا لزفافي. فالجدير بالذكّر أنّني لم أُخبر أهلي باقتراب زواجي، إذ كان بعد على مجد أن يأتي إلى بيتنا والتكلّم مع ذويّ. إلا أنّه أجَّلَ الأمر إلى حين تتحسّن والدته بعض الشيء كي "يتفرّغ لي ولحبّي".

 

قد يهمّكِ أيضاً