ضحيّة الجهل

ضحيّة الجهل

لم يتكبّد والدايَ عناء تلقيحي وأنا صغيرة ضدّ شلل الأطفال، لأنّهما، وبكلّ بساطة، كانا يجهلان الأمر. إختلَفَ هذا بالنسبة إلى إخوَتي الذين وُلِدوا مِن بعدي، فقط لأنّ الدولة أجبَرَت الأهل على تلقيح أطفالهم، إلا أنّ والدَيَّ بقيا يُردّدان أنّ مسألة التلقيح هذه ليست سوى بدعة لا فائدة منها. لكنّهما اعترفا بخطئهما حين رأيا بعينَيهما التشويه الذي أصابَ رجليَّ والعرجة القويّة التي كانت، وللأسف، ستلازمني مدى حياتي.

في البدء قيل لي إنّ الخطب كان تكوينيًّا، وإنّني منذ ولادتي مُختلفة، وصدّقتُ تلك الكذبة وشعرتُ بالعار، خاصّة عندما بدأ أولاد الحيّ يهزأون منّي ويُضايقوني. لِذا فضَّلتُ عدَم الاختلاط بأحد والمكوث في البيت على خلاف إخوَتي. لكن حين جاء وقت الذهاب إلى المدرسة، وجدتُ نفسي مُجبرة على مجابهة عالم قاسٍ لن يرحَمني طوال سنوات حياتي.

 

فالناس لا تحبّ مَن هم مُختلفين عنهم، أكان ذلك جسديًّا أم عقليًّا، ربّما لأنّ ذلك يُذكّرهم بأنّ الحياة هشّة وقاسية، وقد تحصل لأيّ منهم ولأفراد عائلتهم وأحبّائهم أمورٌ بشعة. إلا أنّني اكتشفتُ أنّ عليّ أن أعتاد رؤية الخوف أو الإشمئزاز أو الشفقة في نظرات الآخرين.

وفي حين ظننتُ أنّني أحمل التشويه في دمي، قرَّرتُ منذ صغري أن أثبت للعالم بأسره أنّ الإعاقة موجودة فيهم وليس فيّ. لِذا بدأتُ أجتهد لِدرجة لم يعد هناك ما يشغل بالي سوى ذلك.

وهكذا استطعتُ انتزاع نظرة إحترام مِن زملائي الذين كانوا يُنكّدون حياتي، وافتخَرَ بي والدَاي اللذَان كانا يخجلان منّي أمام الناس.

ولم أعرف سبب دائي إلا حين أطلعَتني إحدى مدرّساتي على الحقيقة. رأتني في أحد الأيّام أدرس خلال استراحة الظهيرة، وجاءَت تجلس بالقرب منّي:

 

قد يهمّكِ أيضاً