سنوات الغربة وحبي الضائع

يوم توفّيَ والدي كنتُ لا أزالُ مُراهقًا، وشعرتُ بوطأة المسؤوليّة حين أخذَتني والدتي جانبًا وقالَت لي:

 

ـ أترى هؤلاء الذين أتوا مُعزّين؟ هم يعتبرونكَ رجل البيت الآن، وهذا ما أصبحتَ عليه. عليكَ أن تكبر بسرعة لتهتمّ بي وبأخوَيكَ الصغيرَين.

 

ـ حاضر يا ماما. لكن... ما عسايَ فعله وأنا لا أزالُ في السادسة عشرة؟

 

ـ ستذهب إلى عمّكَ في أوروبا وتعيش هناك حيث ستعمَل وتقوم بواجباتكَ نحونا.

 

ـ أعمَل؟

 

ـ أجل، مع عمّكَ في مصنعه في الخارج.

 

ـ ودراستي؟ بقيَت لي سنتان وأدخلُ الجامعة.

 

ـ وما نفع الشهادات حين لا يكون هناك مِن طعام؟ أنتَ رجل الآن وعليكَ التصرّف كرجل.

 

ودّعتُ أهلي وأصدقائي وأبناء الحَيّ والدّمعة في عَينَيّ، فالغربة أخافَتني كثيرًا لأنّني لَم أغادر بلدتي يومًا، وها أنا أواجهُ هَول قارّة لَم أرَها سوى في البرامج التلفزيونيّة.

 


إستقبلَني عمّي بِفرَح لأنّه كان عازبًا ومِن دون أولاد، فاعتبرَني منذ لحظة وصولي الابن الذي لَم يُنجِبه. كان بيته جميلاً ومصنعه كبيراً، وشعرتُ بالرّاحة والأمل. وبعد يوم واحد، بدأتُ العمل لدَيه بِقسم التنظيفات، لأنّ أخ والدي كان يُؤمِن بأنّ للإنسان أن يبدأ مِن الصّفر ليتعلّم كلّ ما يجب معرفته عن العمل. لَم أُعامَل مُعاملة خاصّة، ولَم يعرف باقي العمّال أنّني مِن عائلة صاحب المصنع. وجدتُ الأمر غير عادل، إلا أنّني مع الوقت عُدتُ ووافقتُ عمّي على الذي فعلَه. فقد تعرّفتُ إلى العمّال جيّدًا، وعشتُ حياتهم، وشعرتُ بِشقائهم وصرتُ أعرفُ أسرار ذلك المكان الكبير. ومنذ شهري الأوّل، بدأتُ أبعثُ لأمّي وأخوَيَّ كامل راتبي، لأنّني كنتُ آكل وألبس ممّا يُؤمّنُه لي عمّي في بيته. لَم أذهب إلى مكان مع أيّ أحد، فالعمل كان شاقًّا وكنتُ أُريحُ جسدي بِسرور كلّ نهاية أسبوع، وأجلسُ مع عمّي ليَحكي لي عن إنجازاته وأتعلّم منه كيف أحسّنُ نفسي.

ومع مرّ السنين صعدتُ سلّم الترقيات، أي صرتُ عاملاً ومِن ثمّ مُراقبًا وبعدها مسؤولاً عن العمّال، وبالتالي ارتفَعَ راتبي بِشكل ملحوظ. وصرتُ أزورُ البلد أكثر وأُعطي لوالدتي ما يلزم لها ولأخوَيَّ... وللمنزل الذي قررّتُ بناءَه في البلدة كما نصحَني عمّي أن أفعل.

وبعد عودتي إلى العمل، كانت أمّي تبعثُ لي صورًا عن أعمال البناء، وأُعطيها التعليمات ليكون ذلك البيت كما أردتُه ليستقبل العروس المستقبليّة ويكون عشّنا الجميل. بعد الانتهاء منه، طلبتُ مِن والدتي أن تجد لي الفتاة التي سأؤسّس معها العائلة الجميلة التي حلِمتُ بها خلال سنوات غربتي.

وجدَت لي أمّي عددًا لا بأس به مِن العرائس، لِذا ركبتُ الطائرة لأرى أيّة منهنّ سأجدُها مُناسبة لي. لكنّني لَم أحبّ إلا واحدة وهي لَم تكن مِن بين المُختارات، بل جارتنا التي كنتُ ألعبُ معها حين كنّا صغارًا. فلقد وجدتُ ثناء صبيّة جميلة وأنيقة ومُتعلّمة، ودقّ قلبي بِسرعة عند رؤيتها.

علِمتُ حينها أنّ على ثناء أن تُصبحَ زوجتي وأمّ أولادي.

لكنّ والدتي لَم تكن مِن رأيي، بل أخبرَتني أشياء فظيعة عن ثناء. فتلك الفتاة لَم تكن بالبراءة التي تدّعيها، وعلمتُ منها أنّ طبعها سيّء للغاية، وأنّ الكلّ في الحيّ كان يسمعُ صوت مُشاجراتها مع أهلها عندما كانوا يمنعونها مِن الخروج ليلاً مع شلّتها أو يُعاتبونها على سلوكها. أسفتُ طبعًا أن تكون الفتاة الوحيدة التي حرّكَت مشاعري بطباع كهذه، وشكرتُ ربّي أنّني أفلتُّ مِن قبضتها. فهي كانت قد اعترفَت لي أيضًا بِحبّها لي وقبِلَت بِسرور الزواج منّي. فأنا عريس "لقطة" كما يقولون، فالمُغترب الناجح يكون محطّ أنظار الجميع بسبب حالته المادّيّة وحصوله على جنسيّة أجنبيّة.

عُدتُ إلى المصنع وقلبي ثقيل، فبالرّغم مِن معرفتي بِطبيعة أخلاق ثناء، لَم أكفّ عن التفكيّر بها وبقيتُ على اتّصال مُتقطّع بها. لَم أخبر أمّي بالأمر، فهي كانت ستُمانع خاصّة بعد أن رفضتُ كلّ الفتيات اللواتي اختارَتهنّ لي. ثناء، مِن جانبها، لَم تفهم لماذا غادَرتُ مِن دون خطبتها على الأقل. وبعد ثلاث سنوات، تزوّجَت ثناء مِن غيري، بعد أن سئمَت مِن انتظار تصرّف منّي لن يأتي يومًا. أتذكّرُ أنّني بكيتُ على فقدانها، لكن سرعان ما قرّرتُ نسيان أمر الزواج والتركيز على العمل بعد أن صرتُ نائب عمّي. فهو وجَدَ فيّ المُعاون المثاليّ بسبب تفانيّ بالعمل ونزاهتي.

بنَت لي أمّي بيتًا ثانيًا بالمال الذي أرسلتُه لها وكان مُخصّصًا للإيجار، أي لتأمين حياتي ما بعد التقاعد، فلَم أكن أنوي البقاء في الغربة طوال حياتي. وذلك البيت كان سيُؤمّن لي تقاعدًا مُريحًا.

 


ماتَ عمّي وترَكَ لي المصنع، وأقسمتُ له في قرارة نفسي أنّني لن أخذله يومًا. لِذا بتُّ أعملُ كالمجنون ليلاً نهارًا إلى أن أحتلّ معمَلي المرتبة الأولى مِن حيث جودة التصنيع.

تزوّجَ أخوايَ خلال غيابي عن البلد، وكنتُ بالطبع الذي موَّلَ عرسَيهما. لَم أكن أمانعُ إرسال المال لِعائلتي، فأنا سافرتُ لهذا الغرض بالذات، لكنّني لاحظتُ طبعًا إتّكالهم عليّ، فلَم يفلَح أيّ مِن أخوَيّ بشيء بل بقيا ينتقلان مِن عمل لآخر مِن دون قلَق، عارفَين أنّني قادر على دعمهما مادّيًّا.

زرتُ البلد وفي قلبي أمل واحد: أن أرى ولو مِن بعيد حبيبتي ثناء، بعد أن قيل لي إنّها تزوّجَت رجلاً مِن بلدتنا وتسكنُ فيها. كنتُ طبعًا متشوّقًا لرؤية والدتي التي كبرَت في السنّ وأخوَيّ وعائلتَيهما، ومنزلَيّ اللذَين كانا بانتظاري.

لكن كَم كانت مُفاجأتي كبيرة عندما وجدتُ أخوَيَّ يسكُنُ كلّ منهما في بيت مِن بَيتيَّ! أقصدُ يسكُنان بصورة دائمة بعد أن قالت لي أمّي إنّهما استأجرا شقّة في أطراف البلدة.

وكيف لأيّ منهم أن يتصرّف هكذا بممتلكاتي؟ ألَم تكن تضحيتي كافية؟ فأنا تركتُ بلدي وعلمي وبقيتُ بعيدًا لسنوات لا تُحصى. الكلّ كذِبَ عليّ، لذلك طلبتُ مِن أخويَّ ترك أملاكي لكنّهما رفضا بوقاحة لَم أتصوّرها ممكنة، وذلك لأنّهما يملكان البيتَين شرعيًّا. فقد كانت والدتي قد أعطَتهما البيتَين لأنّها كانت تملك تفويضًا منّي، فلم يكن ممكنًا أن أبني أيّ شيء عن بُعد مِن دون أن أفوّض أحدًا.

وأبشع ما في الأمر هو أنّ أخويَّ هدّداني بطلب الشرطة إذا لم أكفّ عن مُضايقتهما! أجل، الشرطة.

ركضتُ إلى والدتي لأُعاتبها وأحملها على إقناع أخوَيَّ بترك البَيتَين، إلا أنّها رفضَت ذلك قائلة:

 

ـ ومَن تكون لتُملي عليّ ما أفعله؟ لَم أرَكَ سوى مرّات قليلة خلال أكثر مِن عشرين سنة.

 

ـ ماذا؟!؟ وهل كنتُ ألعبُ خلال تلك الفترة، أم أعملُ ليلاً نهارًا لأكون "رجل العائلة"؟

 

ـ رجل العائلة لا يتركُ عائلته.

 

ـ هل فقدتِ عقلكِ وبدأتِ تخرفين؟ أنتِ التي بعثتِ بي إلى عمّي!

 

ـ كان بإمكانكَ الرفض.

 

ـ في السادسة عشرة مِن عمري؟ لا أصدّق أذنيّ!

 

ـ أنتَ غريب عنّا، عُد مِن حيث أتَيت واتركنا وشأننا. ما بعثتَه لنا هو لنا.

 

خلتُ نفسي وسط حلم بشع، فكيف لأمّ أن تُعامل ابنها هكذا وبعد كلّ الذي فعلَه مِن أجلها ومِن أجل ابنَيها؟ لقد أمضَيتُ حياتي أعمل مِن أجلهم وهكذا أُكافأ؟

إنتقلتُ إلى فندق ريثما أجد مخرجًا لِمشاكلي مع أخوَيَّ. وحَصَل أن رأيتُ ثناء عن بعد في أحد المحلات. وطرأ ببالي أن يكون ما أخبرَتني أمّي عن حبيبتي كذبًا! فوالدتي لَم تكفّ عن غشّي لِسنوات طويلة. لِذا رحتُ إلى حيّنا وسألتُ جيراننا عن سيرة ثناء حين كانت لا تزال عزباء، الأمر الذي كان يجدرُ بي فعله مِن قبل. وتأكّدَت شكوكي، فلَم يقل لي أحدٌ شيئًا سيّئًا عنها بل العكس. بكى قلبي على ما اكتشفتُه، فقرّرتُ ترك كلّ شيء ورائي والعودة إلى الغربة لأموت هناك، وليس وسط عائلة لَم تحبّني يومًا بل أخذَت تعَبي وأبعَدَتني عن الفتاة الوحيدة التي أحبَبتُها.

لكنّ الله لا يتركُ الإنسان الطيّب حتى لو بعد سنوات. فأنا اليوم في الخمسين مِن عمري وأنتظرُ بفارغ الصبر مجيء ثناء إليّ. لقد حضّرتُ كلّ شيء لاستقبالها لتكون أخيرًا زوجتي. علِمتُ بأمر طلاقها مِن موقع للتواصل الاجتماعيّ وسارعتُ إلى الاتصال بها وإخبارها كلّ شيء. وهي قبِلَت بي بسرعة لأنّها لَم تنسِني أبدًا.

أمّا بالنسبة لأهلي، فلَم أسمع عنهم أبدًا، فلَم يعودوا بحاجة إليّ بعد أن أخذوا مرادهم منّي. حاولتُ الاتصال بأمّي مرّات عديدة إلا أنّها تُقفلُ الخطّ بوجهي.

ما أغرَب الناس!

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button