رمَتني أمّي في أحضان الفقر

رمَتني أمّي في أحضان الفقر

لَم أسأل عن أمّي إلا حين بلَغتُ الخامسة مِن عمري، فحتى ذلك الحين، كنتُ أعتقدُ أنّ جدّتي هي أمّي وعمّاتي أخواتي. لكن إبنة الجيران أخبرَتني الحقيقة، أي أنّني إبنة امرأة أخرى. كان الكلّ يعرفُ قصّتي إلا أنا. عندها قالَت لي جدّتي بإحراج إنّ والدتي وضعَتني عندها لتذهب للبحث عن حياة أفضل لي، وإنّها ستعودُ فور إيجادها ما يليقُ بي... وصدّقتُها. وصارَ لدَيّ شوق كبير للتعرّف إلى تلك السيّدة العظيمة، التي تصوّرتُها كتلك البطلات اللواتي تتحدَّينَ المصائب والمخاطر مِن أجل أولادهنّ.

لكنّ الوقت طالَ، ولَم أفهَم لماذا لا تتواصل والدتي معي ولو هاتفيًّا. وعندما ضاقَ صبري وصرتُ أتشاجر مع جدّتي وعمّاتي بشأن أمّي، علِمتُ منهنّ أنّ والدتي تسكنُ ليس بعيدًا منّي مع زوجها وولدَيها. كان عنوانها معروفًا مِن أهل أبي، لأنّها بعثَت لي مرّتَين أو ثلاث مرّات فقط مبلغًا زهيدًا لا يُغطّي مصاريف طعام يومَين. بعد ذلك، إنقطعَت أخبارها. وفي عمر العاشرة، وبعد أن بدأَت الشكوك بما يخصّ صدقيّة جدّتي وعمّاتي تراودنُي، طلبتُ بإلحاح، الإتصال بالتي أعطَتني الحياة. ولإسكاتي، حصَلتُ منهنّ على رقمها بعد أن قُلنَ لي:

 

- تحضّري للأسوأ.

 

أخذتُ الرقم والهاتف ورحتُ إلى الغرفة لأتكلّم مع أمّي على انفراد:

 

ـ آلو... هذا أنا، نوال.

 

ـ نوال مَن؟ لا أعرفُ أحدًا بهذا الإسم.

 

ـ إبنتكِ... أخذتُ رقمكِ مِن جدّتي.

 

ـ نوال... آه... أجل، أجل... ماذا تُريدين؟

 

ـ قيل لي إنّكِ تعيشين في المدينة المُجاورة، لماذا لا تأتين لرؤيتي؟ لماذا لا تتّصلين بي... لماذا لا أعيشُ معكِ؟!؟

 

ـ أسئلة كثيرة! إسمعي، أنا سيّدة مشغولة جدًّا، وكما علِمتِ حتمًا صارَ عندي عائلة، أجل، ولدَان رائعان، الأمر الذي يتطلّبُ منّي إنشغالاً دائمًا.

 

ـ وأنا أيضًا إبنتكِ.

 

ـ الأمرُ مُختلف. لن تفهمي، فلا تزالين صغيرة. كَم عمركِ؟

 

ـ عشر سنوات. ماما... لماذا لا تُريدين رؤيتي؟

 

ـ ناديني باسمي مِن فضلكِ. وكفاكِ أسئلة، سأتّصلُ بكِ قريبًا.

 

أقفلَت أمّي الخطّ ولَم تتّصل بي مُجدّدًا. إنتظرتُها أيّامًا وأشهرًا وسنينًا. وفي تلك الأثناء، كانت عمّاتي قد بدأنَ بشرح حقيقة أمّي البشعة لي، وأدركتُ أنّ تلك المرأة لا تُريدُني في حياتها.

مِن تلك اللحظة ارتدَت حياتي ثوب الحزن. فكيف لأمّ أن تتخلّصَ هكذا مِن إبنتها وكأنّها عبء ثقيل عليها، ولا تسألُ عنها أو تُساعدُها حتى؟ فالذي عرفتُه هو أنّ زوجها رجل ميسور، وأنّها تعيش معه ومع ولدَيهما حياة أكثر مِن هنيئة.

حاولَت جدّتي وبناتها الترفيه عنّي بشتّى الطرق، إلا أنّني كنت قد أصبحتُ فتاة يائسة لا تؤمِنُ بشيء وتتوقّعُ الخذلان مِن أيّ كان. لكن في داخلي، نما شيء آخر، وهو إرادة قويّة بالنجاح. فكان عليّ أن أثبتَ لأمّي أنّها أخطأَت حين تركَتني، وأنّني سأصبحُ أفضل بكثير مِن ولدَيها اللذَين فضّلَتهما عليّ.

 

قد يهمّكِ أيضاً