ذكريات مُبهمة

ذكريات مُبهمة

ترعَرعتُ في جوّ عائليّ مثاليّ، فكان والدايَ متحابَّين ولم يحدث ولو مرّة واحدة أن تشاجرا. كنتُ أحزن على رفاقي في المدرسة الذين كانوا يُعانون مِن اضطرابات سببها مناكفات أهلهم، وأحمد ربّي على حياتي الهنيئة. وبما أنّني كنتُ الأكبر بين إخوَتي، عملتُ جهدي لأكون على قدر المسؤوليّة لأمشي على خطى أبي وأمّي.

ولكن شاء القدَر أن تموت أمّي الحبيبة. حدَثَ الأمر فجأة حين توقَّف قلبها وسقطَت أرضًا. في البدء ظننّا أنّ المسألة عرضيّة وأنّها ستستفيق مِن ما اعتقدناه دوارًا، ولكنّها توفّيَت على الفور.

لن أستطيع وصف الذي أصابَني بعد ذلك مِن حزن واستنكار، ولولا دَعم أبي والعائلة لغرقتُ في يأس عظيم. فبعد مراسم الدفن جمعنا والدنا وقال لنا:

 

ـ ما حَدَثَ هو مشيئة الله ولا نقدر على محاسبته، فهو الذي يُعطي الحياة ويأخذها حين يشاء... مِن واجبنا تكريم ذكرى أمّكم وكأنّها لا تزال بيننا... لن يتغيّر شيء في هذا البيت إلا أنّها لن تكون معنا جسديًّا... مِن الطبيعي أن تحزنوا على فقدانكم لها، ولكنّ الحياة تستمرّ... سأكون حاضرًا معكم كالعادة لا بل أكثر، ولن تشعروا يومًا بأنّكم لوحدكم.

 

أثّر بي حديث أبي كثيرًا، ومرّة أخرى شكَرتُ الله على حظّي. عملتُ كما نصحنا أبي فمسحتُ دموعي حافظةً تعليمات أمّي لأطبّقها وكأنّها لا تزال معي. أمّا بالنسبة لأخوَتي، فكانوا لا يزالون صغارًا ولا يستوعبون الأحداث. كان لدَيَّ خوف واحد وهو أن يتزوّج والدنا ويأتي لنا بأمّ بديلة. كنتُ أعلم أنّني لن أتحمّل الوضع، لِذا فاتحتُه بما يمنعني مِن النوم عميقًا في الليل. لكنّه طمأنني قائلاً: "أمّكِ كانت كافية، صدّقيني!

 

قد يهمّكِ أيضاً