دمرت أمي كل حياتي...

دمرت أمي كل حياتي...

ـ قصّتي تستحقّ أن تُكتَب... فإن كنتِ تعرفين كاتبًا يُجيد رواية القصص...

 

ـ أعرف أحدًا... أخبِرني قصّتكَ وأعِدكَ بأنّها ستُكتَب وتُنشَر... ما رأيكَ بذلك؟

 

ـ عظيم! مِن أين أبدأ؟

 

ـ مِن البداية... فلدينا المتّسع مِن الوقت... أنا أعمل هنا...

 

ـ وأنا أعيش هنا! هـ هـ هـ... حسنًا... أنا إبن ناس أغنياء... لم أعتَز شيئًا في حياتي، ولكنّني لم أكن يومًا كسولاً بل أصرَّيتُ على أن أنهي دراستي وأن أعمل خارج مؤسّسات أبي كي لا يقول لي يومًا "أنا الذي عمِلتُ منكَ رجلاً ناجحًا". وظنَنتُ أنّ أولادي سيكونون مثلي عندما يكبرون ولكنّني كنتُ مخطئًا.

وبفضل مهارتي في الحساب والأعمال التي لا بدّ أنّني ورثتُها مِن والدي، صعدتُ سلّم النجاح. وكم كنتُ فخورًا بنفسي! ولكنّ والديّ لم يُشاركاني هذا الشعور بل امتعضا مِن استقلاليّتي.

واشترَيتُ شقّة إنتقَلتُ إليها لأعيش فيها لوحدي، وسرعان ما أُغرِمتُ بنادلة لطيفة كانت تعمل في مطعمي المفضّل. وبالطبع لم يكن مِن المقبول أن يتزوّج إبن فلان مِن فتاة بسيطة، فعصَيتُ مرّة أخرى أوامر أهلي.

كنتُ قادرًا على ذلك لأنّني كما قلتُ لكِ، كنتُ مستقلاً مِن جميع النواحي، ولولا ذلك لتزوّجتُ مِن إبنة تاجر كبير أو مدير مصرف لا أحبّها ولا تحبّني.

تزوّجتُ مِن منى وعشتُ معها أيّامًا جميلة وأنجبنا 3 صبيان. كنتُ أحلم بإبنة ولكنّني رضيتُ بما أعطاني الله.

 

ـ كم مِن الجميل أن يستمرّ حبّ كلّ تلك السنين!

 

ـ لا... زوجتي الحاليّة ليست مُنى. دعيني أكمل... بعد ولادة آخر إبن لي، قرَّرَ والدَيّ مسامحتي وكنتُ سعيداً جدّاً أن يربى أولادي في كنَف جدَّيهما. لذا انتقلتُ مع عائلتي إلى البيت الكبير. وهنا كانت غلطتي. لم يخطر ببالي أنّ مِن المستحيل على مُنى أن تتعايش مع والدَيّ، وخاصّة مع أمّي التي كانت إمرأة قويّة وباردة وتكره كلّ مَن لم يولد وملعقة فضّة في فمه. ولم أكن على علم بما مرَّت به زوجتي يوميًّا أثناء وجودي في العمل. فكيف لي أن أتصوّر أنّ أمّي ستدفع بأولادي إلى كره والدتهم واضطهادها؟ ولكن هذا الذي حصل. نعم، فلقد كانوا صغارًا شديديّ التأثّر بالمغريات من هدايا ومال.

 

وبعد فترة لم تعد مُنى تتحمّل العيش تحت نير حماتها وأولادها. وبالرّغم مِن صمتها، كانت تتمنّى لو لم تتزوّجني وبقيّت نادلة بسيطة. فما كان نفع المال والجاه عندما يُهان المرء طوال النهار مِن أقرب الناس. لم ألاحظ شيئًا، لأنّ الأمور كانت تهدأ في حضوري ويدّعي الكلّ التناغم. ولم تقل لي زوجتي شيئًا ربما كي لا تفتن بيني وبين أهلي بعد أن عادَت الألفة بيننا أو لأنّها خالَت أنّ الأمور ستصطلح مع مرور الوقت.

 

وكبرَ أولادنا وزادوا كرهًا ومكرًا وقساوة. كانوا صورة طبق الأصل عن أمّي. وفي المقابل، ذبلَت مُنى حتى أصيبَت بانهيار عصبي حاد إستلزمَ نقلها إلى مؤسّسة خاصة حيث بقيَت باقي حياتها. أظنّ أنّها وجَدَت هناك الرّاحة والسّكينة واسترجعَت كرامتها. وبقيَت تخفي عنّي كلّ شيء حتى عندما كنتُ أزورها في المؤسّسة وأجلس معها ساعات طويلة لوحدنا. وبقيَ أولادي يُمثّلون دور الأبناء المحبّين أمامي. هل كنتُ منشغلاً بأعمالي أكثر مِن اللزوم أم أنّني لم أتصوّر أن تصل الأمور إلى ذلك الحدّ؟ لا بّد أن أكون قد أخطأت في مكان ما... لا أدري...

وطلبَت مُنى منّي أن أطلقّها كي أستطيع أن أحظى بحياة خاصّة طبيعيّة، ولكنّني بقيتُ أرفض إلى حين رأيتُ أنّ الأمر سيُريحها. وطلّقتها على مضَض.

 

قد يهمّكِ أيضاً