دمرت أمي كل حياتي...

دمرت أمي كل حياتي...

إنتبهي يا ابنتي، فقلبكِ طاهر للغاية وليس الجميع مثلكِ... آه... كم أخاف عليكِ... ماذا سيحصل لكِ عندما أفارق الحياة؟

هذا ما قالَته لي أمّي بُعَيد علمها بإصابتها بالسّرطان وقبَيل أن تغادر إلى حيث لا هموم ولا أوجاع. كانت المسكينة قد عانَت الكثير بعد موت أبي ومِن ثمّ أخي عندما كان صغيرًا. ولم يتبقّ لدَيها سوايَ فصِرتُ دنياها بأسرها.

وكانت على حق بما يختصّ بطيبة قلبي، فكنتُ قد قضيتُ حياتي ألَملِم جراح التي جَلَبتني إلى الحياة، ولم أفكّر ولو مرّة بنفسي. وأصبح لدَيّ شغف بمساعدة الآخرين.

وحين وجدتُ نفسي وحيدة، إنتابَني شعور بالفراغ، فلم يعد هناك مَن هو بحاجة إلى "بسمتي السحريّة" كما كانت تسمّيها المرحومة أمّي. لِذا انكبَبتُ على دراستي وأنهَيتُ الجامعة بعلامات جيّدة. وكان مِن حسن حظّي أنّني ورثتُ مِن أهلي بيتًا وبعض المال الذي كان منذ البداية مخصّصًا لي. وشكرتُ ربيّ لأنّهما كانا بعيدّي النظر ولم يتركاني مِن دون شيء كما قد يفعل البعض.

واحترتُ بما يخصّ مستقبلي المهنيّ، فكنتُ قد نلتُ إجازة في إدارة الأعمال ولكنّني لم أكن أهوى ذلك المجال لبرودته وتجرّده مِن المشاعر الإنسانيّة، لِذا فتّشتُ عن عمل مع المسنّين، ربّما لأنّ وجودي بين هؤلاء الناس كان يُشعرني ببعض الدفء. فالحقيقة أنّني لم أرَ والدَيّ يشيخان مع أنّني لطالما تخيّلتُهما في عقدهما الثالث، ينتقّلان بصعوبة والعصا في يدِهما.

وعندما جاء يومي الأوّل في ذلك الدّار للمسنّين كانت بسمة عريضة ترتسم على وجهي. ولم يفهم باقي الموظفّون سبب تلك السعادة، هم الذين كانوا مستائين مِن النزلاء وتصرّفاتهم المتعبة وغير المنطقيّة.

وبالرّغم مِن أنّني لم أكن على علاقة مباشرة مع المسنّين بل أعمل في القسم الإداريّ للدّار، فقد كنتُ أذهب خلال فسحة الظهيرة إلى الغرف وألقي التحيّة عليهم وأستمع إلى قصصهم وأحيانًا إلى شكواهم.

 

وهكذا تعرّفتُ إلى عيسى، رجل في السبعين مِن عمره، الذي أثّر بي لكثرة لطفه وتصرّفاته اللائقة. كان مِن الواضح أنّه عاش حياة جميلة مليئة بالأحداث والمعارف. إلا أنّني استغربتُ عندما قيل لي إنّه أب لثلاثة أولاد وجدّ لستّة أحفاد. وأغرب ما في الأمر أنّه كان لا يزال متزوّجًا. وعندما سألتُ الرّجل عن مكان زوجته وأولاده وأحفاده ولماذا هو في دار للعجزة ولا يأتي أحد لزيارته، أجابَني:

 

قد يهمّكِ أيضاً