خالي منذر

خالي منذر

وبعد أن خابَ ظنّي، بدأتُ أحسب عملي وكأنّه كأيّ عمل آخر، أؤدّيه بجدّيّة ومسؤوليّة، إذ كانت أرواح الركّاب أمانة بين يدَيَّ ولم أكن لأخاطر بها أبدًا.

الشيء الوحيد الذي كان يُزعجني كان بُعدي عن والدَيَّ، وكم حزِنتُ عندما توفّيَ أبي خلال إحدى سفراتي. لم أسامح نفسي على عدَم تواجدي معه أثناء لحظاته الأخيرة ووقوفي إلى جانب أمّي المفجوعة.

وعند رجوعي، توجَّهتُ فورًا إلى قبر أبي، وبكيتُ طالبًا مسامحته، وشاكرًا إيّاه على تضحياته الكثيرة الذي قامَ بها ليُحقّق حلمي بالطيران. عَرَضتُ على والدتي أن أترك الملاحة وأشغل عملاً ثابتًا في المطار ولكنّها رفضَت وأصرَّت عليّ أن أكمل مسيرتي الجويّة.

وهكذا عُدتُ أطير وأنقل الناس مِن بلد إلى آخر، ولكنّ قلبي كان قد أصبح ثقيلاً وحزينًا، أوّلاً بسبب موت أبي وبقاء أمّي لوحدها، وثانيًا لأنّني لم أجد الاثارة التي توقَّعتُ أن أجدها بالسّفر.

ولكنّ مفهومي للأشياء وللحياة كان سيتغيّر بعد أشهر قليلة. كنتُ أقود طائرة مليئة بركّاب آتين مِن جنوب أمريكا، وكان الطقس عاصفًا جدًّا والقلق يسود الجميع. لم أكن أخشى طقسًا كهذا، لأنّني كنتُ قد أصبحتُ متمرّسًا بالطيران أو هكذا ظنَنتُ.

كانت الطائرة في وضع الطيّار الآليّ وذهَبَ مساعدي إلى الحمّام، حين سمِعتُ دقًّات على باب المقصورة. حسبتُ أنّ احدى المضيفات تريد أن تسألني شيئًا، وإذ بي أتفاجأ بخالي منذر والبسمة على وجهه. صرَختُ بفرَح وحماس:

 

ـ خالي! أنتَ هنا! على متن طائرتي؟!؟

 

ـ أجل يا صغيري... كم أنّكَ كبِرتَ! فرِحتُ لكونكَ طيّارًا... تعلَم كم أنّني أحبّ السفر.

 

ـ أجل ولكن سفراتكَ أجمل مِن سفراتي بكثير! قل لي... هل كنتَ تخترع تلك القصص أم أنّها حصَلَت فعلاً معكَ؟

 

ـ إستعمَلتُ الخيال ولكن ليس بسرد سفراتي بل بعَيشها.

 

ـ ماذا تقصد؟ لم أفهم.

 

ـ عندما تزور مكانًا ما، يُمكنكَ النظر إليه مِن زوايا عدّة... أحيانًا تجد المغامرة والإثارة في أبسط الأمور... السّحر والجمال هما في قلبكَ وعَينَيكَ يا صغيري...

 

ـ لماذا رحلَتَ؟ ولماذا لم تعد تجيب على رسائلي؟

 

ـ رحَلتُ لأنّني وجَدتُ السّحر والجمال في جنوب أمريكا، ولم أعد أراسلكَ لأنّني مرضتُ كثيرًا... مرض عضال أجبَرَني على التنقّل على كرسيّ متحرّك ولم أشأ أن أغيّر الصورة التي تملكها عنّي.

 

ـ ولكنّكَ الآن بألف خَير! أنتَ تمشي وتقف!

 

ـ صحيح ذلك يا صغيري، لقد شفيتُ تمامًا منذ فترة قصيرة وأشعر وكأنّني عدتُ شابًا!

 

ضحِكَ الخال منذر وضحِكتُ معه. أخبَرتُه عن موت أبي، وقال لي إنّه على علم بالذي حصل وطمأنَني بأنّ والدي فخور بي كثيرًا.

 

ـ هو قال لكَ ذلك عنّي؟

 

ـ قال لي أشياء كثيرة عنكَ، أهمّها أنّه يُبارككَ... وأوصاني بكَ.

 

ـ أوصاكَ بي؟ أنتَ تعيش على بعد آلاف الأميال!

 

ـ وها أنا واقف أمامكَ!

 

قد يهمّكِ أيضاً