حياة جديدة

حياة جديدة

ـ أين تعملين الآن؟ هل وجدتِ عائلة أخرى؟

 

ـ للأسف لا... وكَم أشعرُ بالملل! كيف الولَد، هل هو بخير؟ وأبواه؟

 

ـ لقد تركتُ العمل لدَيهما لأنّني وجدتُ مكانًا أفضل. كَم اشتقتُ إليكِ! وكَم حزنتُ لِرحيلكِ!

 

ـ حتى اليوم لا أعلمَ لماذا استغنيا عن خدماتي. لَم أقترِف أيّ خطأ... أليس كذلك؟

 

ـ أبدًا! كانت السيّدة ممتنّة منكِ إلى أقصى حدّ إلى حين...

 

ـ إلى حين ماذا؟

 

ـ تعالي نجلس في مكان هادئ وسأخبرُكِ بكلّ شيء.

 

رحنا إلى مقهى مُجاور وجلسنا إلى طاولة وإذ بالعاملة تُكمل حديثها:

 

ـ سمعتُ السيّدة تقول لِزوجها في أحد الأيّام إنّكِ شرّيرة.

 

ـ أنا؟!؟ شرّيرة؟!؟

 

ـ أجل... وإنّكِ أخفَيتِ عنهما أمر زواجكِ وعقركِ.

 

ـ كيف علِمَت بذلك؟!؟

 

ـ مِن أختكِ. فلدَيهنّ أصدقاء مُشتركون. لا بدّ أنّهما التقيَتا في إحدى المُناسبات ودارَ حديث بينهما عنكِ.

 

ـ أكون شرّيرة لأنّني احتفظتُ بِتفاصيل حياتي الشخصيّة؟

 

ـ لا... لقد قالَت أختكِ للسيّدة أن تحترس منكِ فأنتِ... كيف أقولُ ذلك... لدَيكِ العَين الحاسدة لأنّكِ عاقر وقد تتسبّبين بالأذى للولَد.

 

ـ ما هذا الكلام الفارغ!

 

ـ ولقد قالَت أختُكِ لها أيضًا إنّها لا تستقبلكِ في منزلها لهذا السبب بالذات، فقد يحصل مكروه لأولادها.

 

ـ في أيّ عصر نعيش؟!؟ وكيف ألومُ سيّدة غريبة عنّي على تصرّفها، في حين أُطعَن مِن قِبَل أقرَب الناس إليّ؟ أنا شرّيرة؟ أنا أؤذي الأطفال لأنّني لَم أُرزَق بهم؟ بل العكس! أُحبّهم وأخافُ عليهم أكثر! يا لَيتني لَم ألتقِ بكِ! كيف سأعيشُ وأنا أعلَم حقيقة سواد قلب أختي؟ كيف؟

 

ـ بل إحمدي ربّكِ أنّني أخبرتُكِ بما جرى، فقد حان الأوان لأن تعرفي مَن يُحبّكِ ومَن لا... وحان الأوان لِتأخذي زمام حياتكِ بيَدكِ بعيدًا عن كلّ الذين بإمكانهم أذيّتكِ. هناك حزن دائم في عَينَيكِ ولا يجدرُ أنّ يكون موجودًا. صحيح أنّكِ مُطلّقة لكن هناك رجالاً خيّرين كثر... صحيح أنّكِ عاقر لكن بإمكان المرأة أن تعيش سعيدة مِن دون أولاد. إذهبي إلى بيتكِ وفكّري بكيفيّة تحويل حياتكِ إلى فرح دائم.

 

تفاجأتُ بِكلام العاملة العميق فهي كانت على حقّ. فأنا منذ طلاقي أعيشُ وسط أناس حطّموني وجعلوا منّي إمرأة حزينة لا كرامة لها. وها هي أختي تخافُ منّي على أولادها، ولا تتردّد عن قطع رزقي وتشويه سمعتي أمام مُستخدمتي. قرّرتُ ألا أعتذر بعد ذلك لأحد كَوني عاقرًا أو كَوني لَم أحقّق شيئًا بعد.

وجدتُ عملاً في أحد المطاعم، وطلبتُ مِن أختي الكفّ عن إرسال المال لي لأنّ ذلك ليس ما أريدُه منها بل الحبّ والإحترام والحنان، وواجهتُها بالذي علِمتُ به عمّا فعلَته ووبّختُها بقوّة. هل شعرَت بالذنب؟ طبعًا لا، فهي لَم تحسب لي يومًا حسابًا ولَم تكن لتبدأ الآن. لَم آسف عليها، وبدأتُ أؤلّف لِنفسي عائلة أخرى مكوّنة مِن زميلاتي في المطعم وصرنا نخرجُ سويًّا ونتقاسَم كلّ شيء. في تلك الفترة فهمتُ أنّ بإمكان أيّ منّا البدء مِن جديد. فمَن ينظرُ خلفه لا يُحقّق شيئًا بل يبقى أسير ماضيه.

بعد سنة تقريبًا، إعترفَ لي أحد زبائن المطعم بِحبّه لي، وبأنّه كان يأتي إلى المطعم يوميًّا ليراني. ما شدَّه إليَّ كانت إبتسامتي ولطافتي وعَيناي حيث رأى الحنان الذي ينقصُه.

أنا اليوم مُتزوّجة وسعيدة للغاية. صحيح أنّني لا أزال عاقرًا، لكنّ الأمر لَم يعُد يهمّني لأنّ زوجي لَم يرَ فيّ يومًا سوى إمرأة وحسب.

 

حاورتها بولا جهشان

قد يهمّكِ أيضاً