حياة جديدة

حياة جديدة

بعد سنوات طويلة مِن العناية بوالدَيَّ، وجدتُ نفسي لوحدي في البيت بعد مماتهما. وأظنّ أنّها كانت الفترة الوحيدة التي شعرتُ فيها بالراحة، فلَم يعُد لدَيّ حاجة لإثبات أيّ شيء لأيّ أحد. وما هو أهمّ، لم يعُد هناك مَن ينظرُ إليّ وكأنّني ناقصة. كنتُ حرّة أخيرًا. لكنّنا لن نستطيع أبدًا أن نعيش أحرارًا، فسيوجَد دائمًا مَن يُقيّمُنا ويأخذ منّا موقفًا إيجابيًّا أو سلبيًّا.

بقيَت أختي تمدُّني بالمال، إلا أنّني أردتُ أن أجِد عملاً على الأقل للتسلية وربّما لأشعر باستقلاليّة مادّيّة. بحثتُ كثيرًا لكن ما مِن أحد قبِلَ بسيّدة مِن دون خبرة مثلي. وكنتُ سأقطعُ الأمل كليًّا لولا وقَعَ نظري على إعلان في الصحيفة يطلبُ فيه صاحبه مربيّة لإبنه البالغ مِن العمر ثلاث سنوات. بدأَ قلبي يدقُّ بسرعة، وأمِلتُ أن تنطبق مواصفاتي على ذلك العمل، الذي سيسمحُ لي بالتواجد أخيرًا بالقرب مِن ولَد والإهتمام به، الأمر الذي لَم يتسنَّ لي فعله بسبب عقري. أسرَعتُ بالإتصال بالرقم المذكور، وحصلتُ على موعد لإجراء مُقابلة مع الرجل وزوجته.

بالطبع لَم أنَم في الليلة التي سبقَت الموعد، لكثرة تفكيري بالذي سأقولُه إن سُئلتُ ذلك السؤال أو ذاك، وما الذي سأرتديه وكيف سأجلسُ أو أشربَ الشاي لو قُدِّمَ لي.

توجّهتُ في اليوم التالي إلى بيت هؤلاء الناس وقلبي مليء بالأمل. إستقبلَتني السيّدة بِلطف وأجلسَتني في الصالون حيث كان زوجها بانتظاري. سارَت المُقابلة بِسلاسة، وقدّما لي الولَد الذي عليّ الإهتمام به بِسبب انشغال والدَيه الدائم. لَم أفاوِض بما يخصّ راتبي، لكنّني أصرَّيتُ على النوم كلّ ليلة في منزلي والحصول على فرصة كلّ نهاية أسبوع. لَم أخبِر أهل الولَد عن تجربتي المريرة بالزواج وعن موضوع عقري، فذلك لَم يكن مِن شأن أحد ولَم يكن ليُؤثّر على إدائي كمربيّة.

في المساء، زفَّيتُ الخبر السار لأختي التي هنّأتني بِجفاف.

بدأتُ العمل في الصباح وكنتُ أسعَد امرأة في العالم، فالوظيفة لَم تكن صعبة، وكانت مهامي تقتصر على الإهتمام بالولَد بينما تقوم العاملة بالتنظيف والطهو.

أحبَّني الصبيّ كثيرًا وأطاعَني، ربمّا لأنّه علِمَ أنّ ما أطلبُه منه هو لِصالحه وهو نابع مِن محبّة صادقة. فالأطفال يشعرون بذلك، صدّقوني. قبضتُ أوّل راتب وأسرعتُ بِشراء ملابس جديدة، فكنتُ أعمل لدى أناس أثرياء وعليّ أن أبقى أنيقة.

خلتُ أنّ عملي الجديد سيُقرّبُ أختي منّي فنقلبُ سويًّا تلك الصفحة الأليمة. كنتُ بالفعل مُستعدّة لنسيان كلّ ذلك الأذى المجّانيّ طالما أتمكّن مِن الشعور بالإنتماء إلى عائلتي. وتمنَّيتُ لو أستطيع التقرب مِن أولادها واللعب معهم، ففي آخر المطاف كنتُ خالتهم ويُقال إنّ رباط الدماء هو الأقوى. لكنّني كنتُ على خطأ... وخطأ فادح. ولَم أعلَم بِحقيقة مشاعر أختي تجاهي إلا على حسابي.

فبعد أشهر مِن قيامي بِمهامي عند ذلك الثنائيّ، بدأتُ أشعرُ بِتغيّر ملحوظ لدى مُستخدمتي. فهي لَم تعد تبتسمُ لي عندما تُحدّثني بل صارَت تتفادى النظر إليّ. وما هو أهمّ، أنّ الحجَج بدأَت تتتالى لإبقائي في بيتي. فتارةً كانت العائلة ذاهبة إلى مكان بعيد وتارةً أخرى كان الولَد يمرض لأيّام عديدة. حتى عندما كنتُ في بيتها برفقة إبنها، كانت السيّدة تتصل بي مرّات لا تُحصى، وحصَلَ مرارًا أن عادَت باكرًا مِن عملها لتُرسلني إلى بيتي فور رجوعها. إحترتُ في كيفيّة تفسير ما يحصل، إذ أنّني لَم أرتكِب أيّ خطأ خلال تأدية عمَلي ولَم يتذمّر منّي الولَد ولو مرّة واحدة. ردَدتُ السبب إلى أعباء السيّدة في عملها، إذ أنّها موظّفة كبيرة في شركة عالميّة، وقرّرتُ أن أبذل جهدًا أكبر لإراحتها.

إلا أنّ مُستخدمَيَّ فضّلا الإستغناء عن خدماتي مِن دون أن يُقدّما لي تفسيرًا مُقنعًا، ربمّا لأنّهما لَم يجدا حجّة متينة. أعطياني راتبًا إضافيًّا لكنّهما لَم يسمحا لي بِتوديع إبنهما. وهكذا عدتُ إلى وحدتي بعد أن ذقتُ، ولو بطريقة غير مُباشرة، طعم الأمومة، وقضيتُ أيّامًا طويلة بالبكاء. بعد ذلك نشّفتُ دموعي واقتنعتُ بواقعي، طالبةً مِن الله أن يُبقيَ عينًا عليّ لأنّه كان كلّ ما تبقّى لي.

بعد فترة، حدَثَ أن التقَيتُ صدفةً بتلك العاملة التي كانت تهتمّ بِمنزل مُستخدمَيّ السابقَين. كنتُ أتسوّق وهي كادَت أن تصطدم بي في خروجها مِن المحلّ. فرحتُ لرؤيتها وهي قبّلَتني بقوّة وسألَتني عن أحوالي:

 

قد يهمّكِ أيضاً