حياة جديدة... قبل الموت

حياة جديدة... قبل الموت

نظَرَ زوجي إليّ بحزن شديد ثمّ عانقَني قائلاً: "لا تخافي، سنواجه الأمر سويًّا". شكرتُ ربّي على هكذا زوج ونمتُ والدموع قد بلّلَت وسادتي. في الصباح، كنتُ قد أخذتُ قراري: لن أخضَع لأيّ علاج فلقد رأيتُ كيف تعذّبَت والدتي وانتهى بها المطاف بالموت بعد أن هدَرت سنوات كانت لتستغلّها بالقيام بما تتمنّاه قبل أن تُغادر الحياة. على كلّ الأحوال، على الانسان أن يموت يومًا فما مِن أحد عاشَ للأبد. كنتُ أعلَم أنّ قراري سيُجابَه بالرفض مِن قِبَل عائلتي الذين لن يفهموا دوافعي، ففي آخر المطاف ما يهمُّهم هو رؤيتي أتمتّع بصحّة ممتازة وأن أعيش أكبر قدر مُمكن. لِذا كذبتُ عليهم مُصمّمة الادّعاء بأنّني سأتعالج.

لِذا صرتُ أقول لزوجي وأولادي إنّني أزورُ الطبيب وأخضَع لفحوصات وصوَر، واشترَيتُ حبوب الفيتامينات نزعتُ عنها الملصق وأخبرتُهم بأنّها مُضادة للسرطان. كنتُ مُرتاحة لِما أفعله، ففي النهاية، كنتُ صاحبة القرار بعدما قمتُ بتربية أولادي على أكمل وجه وكبروا ليصبحوا مُستقلّين، وخدمتُ زوجي وأعطَيتُه الحنان والاهتمام وبيتًا جميلاً ونظيفًا. جسدي هو لي ولا شأن لأحد بذلك.

لحسن حظّي أنّ لا أحد سألَني لماذا لا يتساقط شعري بعد الجلسات الكيمائيّة الوهميّة التي كنتُ أدَّعي الخضوع لها لِذا مضيتُ قدمًا في كذبي بسهولة. في تلك الأثناء، صرتُ ارتدي الملابس التي لطالما أردتُها وغيّرتُ لون شعري وتسجّلتُ في مدرسة لتعليم رقص الصالونات، الأمر الذي لطالما حلمتُ به لكنّني بقيتُ أؤجّله بسبب تعليقات عائلتي بهذا الشأن. وفي غضون أسابيع صرتُ انسانة ثانية، ليس فقط بالشكل بل بالجوهر، حسب قول صديقاتي الّوات صرتُ ألتقي بهنّ بشكل أسبوعيّ وليس مرّات قليلة في السنة كما في السابق.

طلبتُ مِن خليل أن نذهب سويًّا إلى احدى الجزر الجميلة اليونانيّة، فلَم نُسافر يومًا حتى في شهر عسلنا، بسبب قصر المال ولاحقًا انشغاله بعمله أو توفيرًا لأقساط الأولاد. تعجّبَ خليل لكنّه لَم يرفض لي طلبي بل اعتذر عن امكانيّة مُرافقتي بسبب عمله. لِذا قرّرتُ السفر لوحدي.

ماذا أُخبركُم عن سفري؟ للحقيقة، أمضيتُ أسبوعًا خياليًّا لَم أتصوّره بهذا الجمال. كيف لَم أسافِر مِن قبل؟؟؟ ويا لَيتني أبقى في ذلك المكان الرائع، لكن كان عليّ العودة. إشترَيتُ التذكارات للجميع ورجعتُ مُخزّنة ذكريات جميلة في رأسي لأستعملها حين يقوى المرض عليّ وأبدأ بالتألّم.

فور عودتي، بعتُ بعض الحلى القديمة واشترَيتُ لنفسي سيّارة، فحتى ذلك الحين، ومع أنّني أملكُ رخصة قيادة، كنتُ أتنقّل مع زوجي أو مع أولادي لاحقًا، فلَم أشأ صرف المال على نفسي لابقائه لأفراد عائلتي. أجل، لقد قضيتُ حوالي خمسة وعشرين سنة أضحّي براحتي وسعادتي وحان الوقت لأنّ أتمتّع قليلاً قبل أن أُغادر الحياة طالما لَم أكن أؤذي أو أظلمُ أحدًا.

مِن جانبهم، كان ذويّ فرحين لي لأنّني بدوتُ لهم حقًّا سعيدة وعندما تكون الزوجة والأم سعيدة يصبح الكلّ سعيد.

دروس الرقص أعطَتني رشاقة كنتُ قد خسرتها بسبب الحمل المُتكرّر والبقاء في المنزل مُعظم الوقت وصارَ لي أصدقاء جدد رافقتُهم إلى مُبارات للرقص اشتركوا هم فيها لأقدمّيتهم عليّ. ونسيتُ بالفعل مرَضي ولَم أعد أُبالي حقًّا بموعد تركي الحياة لأنّني عشتُها مليًّا. فهذا ما هو مهمّ: أن نعيش فعلاً لأنّنا سنُغادر جميعًا هذه الدنيا أجلاً أم عاجلاً.

لكنّ حدثاً مؤلمًا جاء ليُعكّر صفو تلك السعادة: إكتشافي لعلاقة زوجي باحدى زميلاته. رأيتُه يومًا جالسًا في احد المقاهي بصحبتها يوم كنتُ أتسوّق مع صديقة لي. كان خليل ينظرُ لتلك المرأة بإعجاب وحبّ ماسكًا بِيدَها ومُداعبًا شعرها. كدتُ أقَعَ أرضًا لو لَم تمسكني صديقتي وتجرّني بعيدًا مُتمتمة: "الوغد... كلّهم سواء!". إنتظرتُ عودته إلى البيت لأسأله عمّا رأيتُه. هو نكَرَ في البدء ومِن ثمّ قال لي بصوت خافت:

 

قد يهمّكِ أيضاً