حبّ الطفولة

حبّ الطفولة

ـ جمانة! ماذا تفعلين هنا؟

 

ـ أنا... أقصد أنّني... أعني... أعمل هنا.

 

ـ يا للصّدَف! أنا مار بالبلد فلدَيَّ محاضرة... كم أنّني مسرور بكِ... أخبريني، أريد أن أعلم كلّ شيء عن حياتكِ منذ تركتُ بلدنا، هيّا!

 

جلَسنا سويًّا وأخبَرتُه عن جامعتي وأصدقائي وعن ظروف سَفَري. ومِن بعدها سألتُه:

 

ـ تعرفني إلى هذه الدرجة؟

 

ـ طبعًا فنحن جيران!

 

ـ أعلم ذلك، ولكن كنتُ أظنّ أنّكَ لم تكن تدري بوجودي.

 

ـ هاهاها! ما ألطفكِ! بالطبع كنتُ أعلم بوجودكِ، ولكنّني كنتُ في سنّ يصعب به التعبير عن المشاعر.

 

ـ مشاعر؟

 

ـ سأخبركِ كلّ شيء عندما نتناول العشاء سويًّا الليلة... إتفقنا؟

 

بالطبع قبلتُ دعوته، فلم أكن أحلم حتى أن أكون جالسة مع الذي سَكَنَ قلبي طوال سنين.

وفي ذلك المساء، ذهَبنا إلى مطعم جميل وأكَلنا طعامًا لذيذًا وتحدَّثنا لساعات طويلة. هل كنتُ أسعد فتاة في العالم؟ أجل، إلى حين قال لي إنّه مسافر في الصباح ليعود إلى... زوجته.

إمتلأت عينايَ بالدموع، وعملتُ جهدي لأبتسم وكأنّ الأمر يُفرحني، ولكنّ جهاد رأى خيبة أملي فقال:

 

ـ لكثرة فرحَتي برؤيتك نسيتُ أن أقول لكِ إنّني متزوّج... تزوّجتُ مِن سنين قليلة ولكنّني لم أكن محظوظًا... المسكينة مصابة بمرض عضال وتتألم كثيرًا.

 

ـ أنا آسفة... هل تحبّها؟

 

ـ لستُ أدري... فحبّي لها تحوَّلَ إلى شفقة، وهي تعلم ذلك مع أنّني أفعل جهدي لأقنعُها بالعكس... لو تعلَمين كم أشعر بالوحدة، ورؤيتكِ اليوم بعثَت في قلبي البهجة... آه يا جمانة لو أنّني...

 

ـ لو أنّكَ ماذا؟

 

ـ سأقولها! لو أنّني أفصَحتُ لكِ عن مشاعري آنذاك لكنتِ الآن زوجتي.

 

ـ لا تقل ذلك... فزوجتكَ لم ترِد لنفسها المرض، ولو أنّها متعافية لما كنّا جالسَين هنا الآن. عُد إليها وابقَ إلى جانبها.

 

ـ أنتِ على حق... هل لي أن برقم هاتفكِ؟ أريدكِ صديقة لي.

 

وسافَرَ جهاد، وأُصِبتُ بحزن عميق بعدما علِمتُ أن كان بإمكاننا أن نكون متزوّجَين لو تجرّأَ على اظهار عواطفه لي، ولكنّني أقنعَتُ نفسي بنسيان الأمر.

وبدأنا نتراسل ونتهاتف يوميًّا تقريبًا ولكنّني لم أسمح له أن يُكلّمني بأمور عاطفيّة وذلك احترامًا لزوجته، وباتَ جهاد محطّة ضروريّة تساعدني على إكمال نهاري والنوم والبسمة على وجهي. وكان جهاد يُطلعني على حالة زوجته الصحيّة التي كانت تسوء يومًا بعد يوم إلى أن أخبَرَني أنّها على الأرجح على شفير الموت. تأثّرتُ كثيرًا لهذا الخبَر، ولم أفرَح كما يجب عندما قال لي إنّه ينوي الزواج منّي بعد رحيلها، فلم أكن معتادة على بناء سعادتي على تعاسة الآخرين، وشعَرَتُ وكأنّني آخذ مكانًا ليس لي. ولكنّ جهاد طمأنَني قائلاً:

 

قد يهمّكِ أيضاً