جبران ومي: الحبّ الصوفي السامي

جبران ومي: الحبّ الصوفي السامي

قد لا يكون أسمى من قصّة الحب التي جمعت ما بين الشاعر والأديب والأديبة اللبنانيّة التي عرفناها من خلال رسائل الحبّ التي خطّها جبران إلى بنت بلده طوال أعوامٍ جديدة. بالطبّع لم يقتصر كون الرسائل تعبير عن شغف وحبّ عذري جمع ما بين الفيلسوف ومّي، ولكنّها باتت من كلاسيكيّات فنّ المراسلة عند العرب وفي العالم أجمع.  

نشأ الحب ما بين الإثنين ودامت العاطفه بينهما زهاء عشرين عاماً، دون أن يلتقيا الاّ في عالم الفكر والروح والخيال إذ كان جبران في مغارب الأرض مقيماً في أميريكا وكانت مي في مشارقها في القاهرة. لم يكن حب جبران وليد نظرة بل كان حباً نشأ ونما عبر مراسلة أدبية طريفة ومساجلات فكرية وروحية ألفت بين قلبين وحيدين وروحين مغتربين. ومع ذلك كانا أقرب قريبين وأشغف حبيبين...

كان طبيعياً جداً أن يتعارف كل ّ من جبران ومَي على بعضهما البعض عن طريق الفكر والنشر في اوائل هذا القرن، فلكلّ منهما شهرة كبيرة. وكانت مي معجبة بمقالات جبران وافكاره فبدأت بمراسلته عقب أطلاعها على قصته "الأجنحة المتكسرة" التي نشرها في المهجر عام 1912. كتبت له تعرب عن أعجابها بفكره واسلوبه، وتناقش اراءه في الزواج وقيوده، والحب وأطواره...

ومن هنا كانت البداية ومن ثم تواصل بالرسائل التي كان كل منهما يبحث عبرها عن روح الآخر في يقظته وأحلامه. كان كل منهما يسعى لرؤية ذاته في روح صاحبه، وكلما قرأنا هذه الرسائل النابضة بالحياة الناضحة بالصدق، كلما أزددنا يقيناً بأن الحب الذي شد جبران الى مي، وشغف مي بجبران، حب عظيم، وعشق يكاد يكون صوفياً لأنه تخطى حدود الزمان والمكان والحواس الى عالم تتحد فيه قوة الوجود ..

ولدى التأمل في بعض الرسائل يتّضح بأن الصلة ما بين جبران ومي قد توثقت شيئاً فشيئاً لأن لهجته في مخاطبتها تدرّجت من التحفظ الى التودد، ومن الأعجاب الى صداقة حميمة، ومن ثمَ الى حب. وعام 1919 بلغ ذروته حتى عكرت صفوه سلسلة من الخلافات بينهما التي عبّر عنها جبران مرةً على أنها "هي معاكسات التي تحوّل عسل القلب إلى مرارة". والغريب حقاً في هذه الصلة تأرجحها ما بين الحب الجامح والفتور، بين التفاهم التام الذي كان يضفي عليهما شفافية روحية تغمرهما بالسعادة، وبين سوء التفاهم الذي كان يؤلمهما ويؤدي الى القطيعة احياناً. ولكن شدة ولع كل منهما بالآخر كانت تدفعهما للتصالح مجدداً في كلّ مرّة. 
كانت مي في حياة جبران الصديقة، والحبيبة الملهمة، وصلة الوصل بينه وبين وطنه، وأكثر ما أحبه فيها عقلها النيّر الذى تجلى في مقالاتها وكتبها، كما أحب فيها حبها له واعجابها بشخصيته وانتاجه الأدبي والفني الذي كانت تتناوله في مقالاتها في مصر.

وعلى الرغم من كل ما كُتب عن علاقات جبران الغرامية من النساء امثال "ماري هاسكل" وميشلين" فأن حبه لمي كان الحب الوحيد الذي ملك قلبه وخياله ورافقه حتى نهاية حياته. فقد كان حبه لها معادلاً حبه العارم لوطنه لبنان، ولروحانية الشرق، وبالدم العربي الذي يجري في عروقه.

ويميل المحللون للإعتقاد بأنه لم يكن يفكر في الزواج لاعتلال في صحته منذ شبابه، ولا ريب ان مي احبت جبران حباً جعل المقارنة بينه وبين الذين خطبوا ودّها أمراً مستحيلاً، على الرغم من تردد مي في الإعراب عن مشاعرها وخشيتها في الأنطلاق على سجيتها في مراسلته، وذلك لأن جبران كان يعيش في عالم متطور تحررت نساؤه من التقاليد، بينما مي فكانت مغلولة القلب والقلم بتأثير البيئه التي عاشت فيها/ حـّى ولو انها جعلت من بيتها صالوناً أدبياً يلتقي فيه كل ثلاثاء رجال الأدب والفكر امثال احمد لطفي السيد وخليل مطران وطه حسين وعباس محمود العقاد وغيرهم من الأدباء والمفكرين.

لقد تمنى جبران ان تتحرر مي من عقدها النفسية وشكوكها مي عانت صراعاً نفسياً حاداً في حبها لجبران سبّب لها الشقاء ولجبران العذاب والأرهاق. وحين تجاوزت الخامسة والثلاثين من العمر لملمت كل شجاعتها وكتبت له أجمل رسالة حب.

ربما يكون أهل مي وبعض المقربين منها قد أطلعوا على صلتها بجبران في حياتها، ولكن المرجّح انها كانت حريصة على اخفائها عن الناس جميعاً وأبقتها سراً دفيناً في نفسها حتى ذلك اليوم الذي فجعت بموته عام 1931. فبعد انقضاء شهر على وفاته اعترفت ميّ لقرائها بوجود مراسلة طويلة بينها وبين جبران وذلك في مقالة "جبران خليل جبران يصف نفسه في رسائله" ضمت فيها فقرات قصيرة من رسائله اليها، وعبرت عن حزنها العميق عليه مصّورة غربتها وغربته في الوجود بعبارات موجعة قالت فيها: 

"حسناً فعلت بأن رحلت! فاذا كان لديك كلمة أخرى فخير لك أن تصهرها وتثقفّها، وتطهرها لتستوفيها في عالم ربما يفضل عالمنا هذا في أمور شتى..."

أستبد الحزن بمي زيادة وعاشت في غمرة الأحزان تمزّقها الوحدة والوحشة. فبعد فقده أصيبت بانهيار عصبي، تبعه تدهور في صحتها، فاعتزلت الناس، وأرسلت الى قريب لها في بيروت، الدكتور جوزيف زياده رسالة مؤثرة وصفت الآمها وتردّي صحتها. وقادتها تلك المحنة الى لبنان موطنها الأصلي وأدخلتها ظلماً الى مصح الأمراض العقلية مما طعنها في كرامتها، وقضت ثلاث سنوات متنقلة بين المستشفى ومصح دكتور بيريز وبين بيت متواضع. الى أن هبّوا اقاربائها لأنقاذها، فعادت لى القاهرة وعاشت سنتين ونصف الى أن ذوت شيئاً فشيئاً فتوفيت عام 1941.

اصطحبت مي رسائل جبران معها إلى لبنان، وكانت تلجاً اليها على انفراد حين يشفّها الوجد، وتتأمل في وصورة لجبران كتبت بخطها عليها "وهذه مصيبتي منذ أعوام ".

قد يهمّكِ أيضاً