جارتنا البلهاء

جارتنا البلهاء

إختراع الحجج لأمّي لَم يكن صعبًا عليّ، فلطالما كانت مُخيّلتي خصبة، الأمر الذي حملَني على الكذب باستمرار، ليس بدافع الغشّ بل لأنّني كنتُ قادرة على ذلك. وصار كلّ مَن يعرفُني ينعتُني بالكاذبة، الأمر الذي دفعَني إلى إتقان الكذب كي لا يُفتضح أمري. أي أنّني دخلتُ دوّامة سبّبَت لي متاعب كثيرة.

كنتُ ألتقي بوفاء يوميًّا ما عدا يوم الإثنَين، أي حين كان زوجها يمكثُ في البيت طوال النهار. ذلك الشخص كان غليظًا للغاية، وعلِمتُ مِن صديقتي الجديدة أنّه كان قاسيًا معها ولا يسمحُ لها بالإختلاط بأحد أو حتى الخروج مِن دونه. لِذا كنتُ أتفاداه قدر المُستطاع، وآتي لوفاء بما تحتاجُه مِن الدكّان أو البقّال وأحترسُ طبعًا أن يراني أحدٌ، خاصّة مَن أسمَيتُه "الطاغي".

في تلك الأثناء، صارَت وفاء محطّ سخرية نساء المبنى، بعدما تأكّدنَ مِن درجة غبائها الذي، حسب قولهنّ، غطّى على جمالها. فما نفع الجمال مِن دون دماغ؟ الرجال طبعًا كانوا مِن رأي آخر، وظلّوا يُدافعون عن الجارة قدر المستطاع، أي بتجنّب إغضاب زوجاتهم إلى درجة الخصام.

لكنّ أختي الصغرى كانت تُراقبني مِن غير علمي، واكتشفَت علاقتي بجارتنا الحسناء، فبدأت تبتزُّني مقابل بعض الحلوى أو مشاوير بصحبتي. كان الأمر ولاديًّا، لكنّني خفتُ أن تعرف أمّي أنّني لَم أنصَع لأوامرها. لَم تُخبر أختي والدتي، بل بعض أولاد المبنى والحَي، واحترتُ في أمري وكدتُ أتوقّف عن زيارة وفاء، إلا أنّها، وبعد أن علِمَت بما يجري، طلبَت منّي جَلب أصدقائي الصغار معي إلى بيتها. فرحتُ للأمر، فقد كان مِن الواضح أنّ صديقتي تحبّ الأولاد، ربمّا لأنّها لَم تنجب بعد. شكّلتُ فريقًا مِن الأولاد الأوفياء والذين يعرفون كيف يحفظون الأسرار، وأقسموا لي علنًا بأنّهم سيكونون مِن أشد المُدافعين عن وفاء، فهي كانت إنسانة معزولة تمامًا وضحيّة تهجّمات نساء المبنى. وهكذا صرنا نجتمع عند وفاء، ونأكلُ الطيّبات ونشربُ العصائر وهي تروي لنا القصص. وعند الحاجة، كنّا نجلبُ لها ما تحتاجُه. كنّا طبعًا نكذب جميعًا على أهلنا، فكلّ ما كثُرَ الكاذبون، كلّما كانت الكذبة متينة.

وسُرعان ما صارَت الشلّة تُساعدُ وفاء بترتيب وتنظيف شقّتها بسبب عدَم تركيزها على واجباتها، الأمر الذي يأتي بنتائج سلبيّة على شكل مسكنها ويجلبُ لها صراخ زوجها. هي لَم تطلب منّا أن نفعل شيئًا، بل تمنَّت عاليًا مرّات عديدة لو تنام وتستيقظ لتجد البيت مُرتّبًا ونظّيفًا. وفي تلك الفترة بالذات، كان علينا طرح سؤال بديهيّ على أنفسنا: مَن كان الغبيّ والبسيط فعلاً؟

تلك الحالة كانت ستستمرّ إلى ما لا نهاية، لو لَم أقرّر زيارة وفاء إستثنائيًّا يوم الأثنَين بسبب ما سمعتُ أمّي تقولُه للجارات في إحدى جلساتهنّ. فقد كانت تلك النساء تُخطّطنَ للإيقاع بها بأسرع وقت، وكان عليّ تنبيهها على الفور. لِذا، صعدتُ السلالم على مهل كي لا يراني أحد، وقرعتُ بابها بشكل خفيف للغاية على أمل أن تفتح لي مِن دون علم زوجها، لكنّها لَم تفعل. قرّرتُ الإنتظار وجلستُ على السلالم وراء حائط يمنعُ أيًّا كان مِن رؤيتي. كان لدَيّ مُتّسَع مِن الوقت بعد أن قلتُ لوالدتي إنّني ذاهبة إلى صديقتي لتشرح لي درسًا في اللغة.

وبعد حوالي السّاعة، سمعتُ الباب يُفتح، ومدَدتُ رأسي لأرى إن كان الزوج يُغادر المنزل لأتمكّن مِن الدخول بعد رحيله. إلا أنّني رأيتُ أحد الجيران وهو رجل متزوّج يُعانقُ عند الباب وفاء ويهمسُ لها بحنان: "كَم أنتِ رائعة... إلى اللقاء يا حبيبتي." ومع أنّني كنتُ لا أزال صغيرة، فهمتُ أنّ ما يحدُث بين هذَين الإثنَين لَم يكن سليمًا. وفضّلتُ العودة إلى البيت لأفكّر بالذي رأيتُه. في اليوم التالي، قصدتُ وفاء وسألتُها كيف كان نهارها بالأمس، فقالَت لي إنّها مكثَت في البيت كالعادة مع زوجها طوال النهار، بالرّغم مِن أنّها رجَته لو يأخذُها في نزهة. وبدأت المرأة بالبكاء والتحسّر على نفسها.

لكن ما حاجتها لتكذب عليّ؟ كنتُ سأعرفُ الجواب بعد أسبوع، أي يوم الإثنَين التالي.

 

قد يهمّكِ أيضاً