تقوى مبالغ فيها

تقوى مبالغ فيها

غضبتُ منها كثيرًا، فبسببها فقدتُ ثقتي بالتي ولدَتني وباتَ كلّ ما تقولُه كذبًا. لم يفهم أبي سبب انقلابي على أمّي، وبقيَ يحثّني على عدم معاندة "إنسانة بهذه الشفافيّة والرقّة". المسكين...

لم أقصد أن يحصل ما حصَل، فأنا كنتُ لا أزال مراهقة ثائرة على امرأة أبدعَت بالكذب والتمثيل. صِرتُ أكره أن أسمعَها وهي تتكّلم عن الله وتفسّر للحضور كلمته، وأمقُتُ مشاهدتها تلوي رقبتها وتخفتُ صوتها. لِذا، أخذتُ أفتّش عمّا سيُساعدني على كشف وجهها الحقيقيّ.

صِرتُ ألحق بأمّي أينما تذهب، ليس لأرافقها بل لأراقبها. ولم أكن قادرة على لعب دور التحرّية سوى في فرصة نهاية الأسبوع ولكنّ ذلك كان أفضل مِن لا شيء.

كانت والدتي تخرج مِن البيت في الصّباح، بعد أن تكون قد حضّرَت الإفطار ثمّ جالَت على البيت لترتيبه... وبعد ذلك، العمل على تحضير وجبة الظهيرة. ثمّ كانت تقف وسط الشارع كي يراها الجميع ويُلقي عليها التحيّة، قبل أن تتابع طريقها واضعة رأسها في الأرض، كما تفعل النساء الشريفات. إن صادفَت أحدًا في الشارع، كانت تردّ السّلام عليه بصوت بالكاد يُسمع، وكان الكلّ ينظر إليها مبتسمًا لأنّها كانت مثالاً أعلى للتقوى والشرف.

كانت أمّي تقصد صديقاتها لتشرب الشاي معهنّ وتبقى برفقتهنّ حوالي الساعة، ومِن ثمّ تدخل دكّانة البقّال وتخرج بأكياس مليئة بالفواكه والخضار. ومِن بعدها تمرّ على الخيّاطة لوضع ملابس للتصليح. كانت أمّي في طريق العودة تتوقّف أيضًا عند بعض الجارات، أي أنّها كانت تقوم بأشياء عاديّة جدًّا. لكنّني كنتُ متأكّدة مِن أنّها تخفي شيئًا، فلَم أكن لأصدّق حركاتها المُبتذلة هذه، فكما قلتُ سابقًا، أعرفُها أكثر مِن أيّ شخص آخر كَوني ابنتها.

خلال لحاقي المنتظم بأمّي ، لَم أكتشف أيّ أمر مريب، وشعرتُ لفترة قصيرة بالذنب. هل يُعقَل أن أكون قد ظلمتُها، وأنّ شكوكي كانت مبنيّة على اشمئزاز سببه عدَم قبولي لإيمان إعتبرَتُه غريبًا ومزيّفًا، في وقت كان بالفعل نابعًا عن مشاعر صادقة ونبيلة؟

إلا أنّ صدفة بحتة كشفَت الستار عن واقع مرير.

كنتُ قد تغيّبتُ عن المدرسة بسبب ألَم حاد في أحد أسناني إستدعى ذهابي إلى طبيب الأسنان. طلبتُ مِن أمّي مرافقتي، إلا أنّها رفضَت لأنّني كنتُ "كبيرة كفاية للقيام بأموري الخاصّة وعليّ تعلّم الاتّكال على نفسي". نهضتُ مِن الفراش، وتحضرّتُ وذهبتُ إلى موعدي وفي قلبي خوف مِن معدّات طبيب الأسنان. وبعد أن أنهى الأخصّائي تصليح سنّي، عدتُ إلى البيت. لكن في طريقي، رأيتُ أمّي تمشي في حيّ لا تقصدُه عادة لأنّ ليس لدَيها ما تفعلُه هناك، كونه حيًّا سكنّيًا راقيًا لا تعرفُ أحدًا فيه. حاولتُ مناداتها، إلا أنّها لم تسمعني وهي داخلة في ردهة أحد المباني الضخمة.

لم يخطر ببالي اللحاق بها، لأنّني كنتُ تحت تأثير المخدّر وأودّ العودة إلى البيت لأستريح. وبعد حوالي الساعتَين، عادَت والدتي إلى البيت وسألتُها كيف كان نهارها، فبدأَت تروي لي قصص صديقاتها والبقّال وكلّ مَن التقَت بهم، لكنّها لم تذكر لي مشوارها إلى ذلك الحَي. لماذا أخفَت عنّي تلك المعلومة؟ عندها فهمتُ أنّ ما أريدُ اكتشافه عنها لا يحصل خلال فرصة نهاية الأسبوع، بل خلال الأسبوع وبالأخصّ يوم الأربعاء.

 

قد يهمّكِ أيضاً