تزوّجتُ عشيق أمي... كي أحمي أبي!

تزوّجتُ عشيق أمي... كي أحمي أبي!

ليس سيئاً على الدوام أن تتزوّج المرأة بطيّار، لكنّ والدتي أغفلت هذا الواقع. لقد شدّتها البزة الأنيقة والمركز الاجتماعي وكلّ الإيجابيات التي تعِد بها هذه المهنة في المستقبل. لكنّها غضّت الطرف عن تغيّبات والدي اللامتناهية ودوامه الصعب.  

كنت صغيرة جداً لأدرك مدى تأثير هذه الحقيقة على والدتي وعلى علاقتها بوالدي. لم أكن أراهما يتشاجران يوماً وهذا جعلني أظنّ أنّهما غارقان في بحر من الحب المثالي. لذا، لم ينتبْني أي شكّ حين بدأ العم فؤاد، صديق والدي، يزورنا. كان يأتي على الدوام حين نكون بمفردنا، أنا ووالدتي ليطمئنّ علينا ويتأكّد من أنّ شيئاً لا ينقصنا.
ولكون والدتي ربة منزل جيدة، كانت تدعوه في معظم الأحيان للبقاء على العشاء. ومعظم الأوقات، حين كنت أخلد إلى النوم، كان ما يزال عندنا. كانت تخاف من البقاء وحدها عند المساء. وأحياناً، كان العم فؤاد يتناول الفطور معنا. 

مع الوقت، حين كبرت، بدأت أرى الأمور بشكل أوضح وأدركت تواطؤهما فانزعجت كثيراً. كانت متسلطة جداً وأنا بطبعي مطيعة وهادئة. كنت أعشق والدي وأرفض أن أضايقه فتمنّعت عن إخباره بما يجري خلف ظهره. خلال كل تلك السنوات، لم يشك والدي البتة بل كان يتأثّر جداً لأنّ صديقه المفضّل كان يعتني بعائلته أثناء غيابه. لم يفكّر في السوء يوماً لشدة طيبة قلبه. لكن كثرت الثرثرات وانتشرت حتى وصلت إليه.
ففي إحدى الأمسيات، وصل إلى المنزل فجأةً بعدما أنهينا العشاء. كان العم فؤاد يلبس ثوب نوم والدي كما كان يفعل على الدوام ليشاهد التفاز. وكنا أنا ووالدتي، بثياب النوم أيضاً، جالستين بالقرب منه نتناقش حول الفيلم. تسمّر والدي في مكانه وسط غرفة الجلوس والحقيبة في يده، غير قادر على أن ينطق بكلمة واحدة. فما يراه هو مشهد يومي لعائلة مجتمعة، لكنّ الفرق أنّها عائلته وهو ليس موجوداً فيها! 

أُصبنا كلّنا بالذهول وأوّلنا فؤاد الذي انتفض عن مقعده ونزع عنه رداء والدي بسرعة وهو مرتبك. فشعرنا بأنّ الكارثة ستقع لا محال. في نظرات والدي، تمكّنت من رؤية الألم والحزن العميقَين. 

- "كلّ هذه السنوات التي أمضيتها وأنا أجازف بحياتي من أجلك، من أجل راحتك ومن أجل أن تحصلي على هذا المنزل الجميل وهذه الحياة المترفة... كلّ تلك الليالي الطويلة التي أمضيتها بعيداً عن عائلتي، وحيداً في فندق مطارات العالم... وأنتِ..."

بعد الملامة، وقف والدي وأخرج مسدساً من جيب سترته. صرخنا جميعاً وأوشكت والدتي أن يُغمى عليها أمّا فؤاد فاختبأ خلفي من شدة خوفه. كان لا بدّ لي من التدخّل سريعاً وإلاّ لفات الأوان. اقتربت من والدي ببطء وقلت له:
- "أبي، أنت لم تفهم الوضع، فؤاد هنا من أجلي وليس من أجل أمي... لست أدري ماذا قال لك الناس لكنّ الحقيقة أنّنا نحب بعضنا منذ فترة طويلة."

نظر إليّ والدي باستغراب وراحت يده التي كان يُمسك بها السلاح ترتجف كالورقة لدرجة أنّني خفت من أن يطلق النار سهواً.
- "لكنّه في سنّي! أتسخرين منّي؟"
- "لهذا السبب لم نتجرأ على إخبارك، كنت أخاف من أن تعارض الفكرة وأنا أحبّه لدرجة أنّني لا أستطيع العيش من دونه. لم تكن أمّي موافقة في البداية لكنّنا أقنعناها وقبلت أن يأتي إلى المنزل لنرى بعضنا."

لن أنسى يوماً التعبير الذي ارتسم على وجهه في تلك الآونة، وكأنّ الروح عادت إليه من جديد. وضع مسدسه على الطاولة فاستفادت والدتي من الموقف وراحت تؤدي دور الزوجة المظلومة قائلةً بمرارة:
- "ألا تخجل من نفسك وأنت تفكّر بي في هذه الطريقة؟ كرّست لك حياتي بكاملها لتشكرني على هذا النحو؟"

أثارت اشمئزازي حينها. أمسك والدي بيديها وقبّلهما طالباً السماح، أمّا فؤاد فأخذ نفساً عميقاً. لكنّ والدتي لم تكتفِ بهذا القدر بل تابعت قائلةً:
- "لا ينتظران سوى أن تبارك هما. هذه هي الطريقة الوحيدة لإسكات ال.
- "أنتِ على حق. فؤاد، يا صديقي الغالي، أرجوك أن تعذرني."

 وقفت مذهولة مندهشة. سارت الأمور بسرعة فائقة. لم أرد الزواج ب أمي! لكنّني أحببت والدي لدرجة أنّني لم أكن أفكّر حتى في جعله يعاني لا سيما أنّني أصبحت الآن أعرف أنّه يملك مسدساً. كنت واثقة من أنّه لن يوجّه السلاح إلى أمي وعشيقها بل سيستخدمه ليقتل نفسه.

بعد تلك الحادثة، تجنّبتني والدتي قدر الإمكان لأنها تخشى ردة فعلي وقد كانت محقة. أنقذت حياتها وحميت شرفها وهكذا شكرتني! زوّجتني بفؤاد لتضرب عصفورين بحجر واحد: تبقى هي المرأة الوفية، ويتسنّى لها رؤية عشيقها علناً ومن دون التخفّي. فوقعت أنا في الفخّ!

هكذا، صرت زوجة العم فؤاد، ليس في السراء بل في الضراء وحسب. لكن بالطبع لم نعش حياة زوجين. كان والدي قلقاً عليّ لكنّني كنت أريحه على الدوام مطمئنةً إياه أنّني امرأة سعيدة. مرّت خمسة أعوام على هذا المنوال إلى حين قضى والدي جراء أزمة قلبية. عندئذٍ، تمكّنت أخيراً من طلب الطلاق وعيش حياة طبيعية. في هذه الأثناء، بردت حماسة فؤاد تجاه والدتي فوجد عشيقة أخرى أصغر سناً. وانتهى الأمر بوالدتي بلا زوج ولا عشيق. 

ذهبت للعيش في أميركا لدى أنسبائي إلى يوم علمت أنّ والدتي مريضة وأنّها تطلب رؤيتي. على الأرجح، حان الوقت لأسامحها فقد فقدت كلّ قواها. لم تتحدّث أبداً عن الموضوع ولا حتى لتعتذر مني. لكنّني لاحظت في نظراتها عمق الأسى والندم. توفيت بعد فترة قصيرة وتمكّنت من إكمال حياتي أخيراً، حتى لو كان الوقت متأخراً. 

حاورتها بولا جهشان

قد يهمّكِ أيضاً