الضوء في آخر النفق

الضوء في آخر النفق

حين علِموا في البيت ما حلّ بي، هزئوا منّي ولم يتكبّد أحد عناء زيارتي، وحده أبي توجّه إلى القسم فقط لأنّه كان مجبرًا على ذلك كَوني قاصرًا. هناك، طلَبَ مِن المحقّق إبقائي عندهم "لأتعلّم الدرس جيّدًا". ومِن ثمّ وقَّعَ على بعض الأوراق واختفى عن نظري.

حاكموني في محكمة الأحداث بسبب سنّي، وأرسلوني إلى مؤسّسة تشبه السجن لقضاء سنة بكاملها فيها. مِن بعد ذلك كان عليّ نسيان حياتي السابقة وإلا أرسلوني إلى سجن حقيقيّ للبالغين.

دخلتُ المؤسّسة وكأنّني فاتح قويّ يستعرض مملكته الجديدة. إلا أنّ باقي السجناء لم يُعيروني الأهميّة التي انتظرتُها، بل تجاهلوني كليًّا وشتمَني البعض منهم ووعَدني بتلقيني دروسًا تجعل منّي صبيًّا مطيعًا. لا أنكر أنّني خفتُ في ذلك اليوم مِن الذي كان ينتظرني وندمتُ، ولو بعض الشيء، على ما فعلتُه لينتهي المطاف بي في هكذا مكان.

المسؤولون كانوا صارمين معنا، وكرهتُ النظام هناك بعد أن قضيتُ حياتي في الشارع أفعل ما يحلو لي ساعة أشاء. لكنّي انصعتُ للأوامر إذ لَم يكن باليد حيلة، واعدًا نفسي بالتعويض عن تلك الصّرامة فور خروجي.

مرَّت الأشهر بصعوبة، خاصّة أيّام الزيارات حين كان يأتي أهل السجناء لرؤيتهم، أمّا أنا فلم يتذكّرني أحد مِن أهلي. هل كنتُ أستحقّ هذه المعاملة مِن قِبَل الذَين أوجداني ومِن ثمّ رمياني؟ بالطبع لا، فمثل الكثير مِن الجناة هم ضحايا منزلهم وعدم اكتراث أهلهم بهم.

بعد سنة، خرجتُ أخيرًا مِن بين جدران المؤسّسة، واعدًا نفسي بالعدول عن فعل أيّ شيء يُعيدني إلى الحبس، إلا أنّ أفراد الشلّة ظهروا مجدّدًا بعدما اختفوا مِن حياتي بجبن. كلّ واحد منهم أعطاني عذرًا لتبرير تخلّيه عنّي. ولأنّني كنتُ أحملهم في قلبي، قرّرتُ، وللأسف، أن أسامحهم. وعدنا إلى ممارساتنا القديمة، إلا أنّ أحد أصدقائي اقترَحَ هذه المرّة أن نقوم بعمليّة سطو لبقّالة صاحبها عجوز لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

لم أكن موافقًا، خاصّة أنّني كنتُ أعرف العم خليل منذ صغري، وكان يُعطيني دائمًا الحلوى مجّانًا وبعض المأكولات التي لم أكن قادرًا على شرائها. إلا أنّني إشتركتُ بالسطو لسبب واحد، وهو حماية ذلك العجوز مِن الأذى لأنّ أصدقائي كانوا قد زادوا عدائيّة خلال السنة الأخيرة. وهكذا دخلنا البقّالة مقنّعين وحاملين العصي ومهدّدين. أعطانا الرجل ما في صندوقه، وحين قرّرنا الرّحيل، وضَعَ يده على صدره ووقَعَ أرضًا ميّتًا. كان العم خليل قد قضى جرّاء نوبة قلبيّة. وقفتُ مكاني عاجزًا عن استيعاب ما حصل، بينما، وللمرّة الثانية، فرّ رفاقي مِن دوني.

 

قد يهمّكِ أيضاً