الدفتر الأحمر

الدفتر الأحمر

تخرّجتُ مِن الجامعة بِتفوّق، ربمّا لكثرة انكبابي على الدرس لِعدَم وجود شيء آخر أفعله، وأفتخَرَ أبي بي. كانت علاقتنا جيّدة بشرط ألا نجلس سويًّا كثيرًا. للحقيقة لَم نفتَح يومًا موضوع موت أمّي وكنتُ ممنونًا له مِن ذلك. فلو قال شيئًا عنها، لكنتُ قد أفرغتُ قلبي له ولكنّا قد تشاجرنا بقوّة. فكان مِن الواضح أنّه المسؤول الأوّل والأخير عمّا قرّرَت والدتي فعله بنفسها ولَم أنوِ مُسامحته. لكنّني كنتُ متأكّدًا مِن أنّ يومًا سيأتي وأقولُ له كلّ ما حبستُه مذ كنتُ في الخامسة مِن عمري.

وجدتُ عملاً في مدينة أخرى ولَم أتردّد بِقبوله، ما كان يعني ترك البيت أخيرًا والابتعاد عن والدي بِصورة دائمة. هو لَم يُمانِع بل تمنّى لي التوفيق، وأكّدَ لي أنّه سيكون حاضرًا في أيّ وقت لمُساعدتي لو احتجتُ. شكرتُه وحزمتُ أمتعتي ورحتُ أسكنُ في شقّة استأجرتُها مِن المال الذي حصلتُ عليه مِن بَيع مجوهرات أمّي. لَم آخذ فلسًا مِن أبي وهو فهِمَ الرسالة.

كنتُ بارعًا في عملي لأنّني كنتُ ولا أزال أعلّقُ أهميّة كبرى لِما أفعلُه وبتأدية واجباتي على أكمَل وجه. لاحقًا علِمتُ أنّ طبعي هذا ناجم عن موت أمّي وحاجتي إلى السيطرة على أحداث حياتي قدر المُستطاع، كي لا يحصلُ لي شيء غير متوقَّع. فلقد ساعدَني علم النفس كثيرًا على فهم أمور عديدة، وأشكرُ الدكتور عادل على مُساعدته لي.

لَم أزُر أبي بل بقيتُ أسأل عن أحواله بين الحين والآخر عبر الهاتف. كانت مُكالماتنا قصيرة للغاية، الأمر الذي أراحَ كلَينا. لكنّه أخفى عنّي مرَضه وبقيَ يدّعي أنّه بخير حتى أن أُدخِلَ المشفى. كان يُعاني مِن مرض خبيث وفرصة نجاته منه كانت ضئيلة. حين علِمتُ بذلك، إنتظرتُ نهاية الأسبوع لأزوره في المشفى، ففي آخر المطاف هو كان والدي وكنتُ أكنُّ له بعض العاطفة.

وجدتُه ضعيفًا للغاية، الأمر الذي أحزنَني كثيرًا فلَم أعتَد رؤيته هكذا. صحيح أنّه كان رجلاً هادئًا، إلا أنّه كان يتمتّع بِبنية قويّة وصحّة حديديّة. غضبتُ مِن نفسي لأنّني بقيتُ لسنوات أتمنّى لو أنّه ماتَ بدلاً مِن أمّي، وها أنا واقف أمام إنسان محكوم عليه بالزوال. بقيتُ مع والدي يومَين كاملَين وأعترفُ أنّني شعرتُ بالتقرّب منه، الأمر الذي جلَبَ بعض الدفء إلى قلبي. فكنتُ قد كبرتُ لوحدي وبشعور لا يعرفه الا مَن تخلّى عنه والداه. عدتُ إلى شقّتي واعدًا نفسي بأن أزورَ والدي كلّ أسبوع.

خَرَجَ أبي مِن المشفى إلى البيت وأرسلتُ له مَن يهتمّ به، فلَم أكن أنوي تركه لوحده. قصدتُه في البيت لأسبوع بِكامله بعدما أخذتُ إجازة مِن عمَلي، وقال لي طبيبه إنّ لا جدوى مِن إعادته إلى المشفى فالنهاية كانت قريبة.

خلال تلك الفترة، بدأتُ أتعرّفُ جيّدًا إلى ذلك الرجل الذي أخرجتُه مِن حياتي عمدًا. خفتُ مِن أن يفتحَ لي موضوع موت أمّي، إلا أنّه لَم يفعل وشكرتُه ضمنيًّا على ذلك.

يوم ماتَ والدي كنتُ بالقرب منه مُمسكًا بِيَدِه. كان قد أغمضَ عَينَيه ليرتاح قليلاً قبل أن يسألَني إن كنتُ سأبقى معه إلى حين يستفيق. أجبتُه بأنّني باقٍ وهو ابتسَمَ. بعد حوالي الساعة توقّفَ أبي عن التنفّس. كان قد ماتَ كما أمضى حياته: بهدوء. بكيتُ كثيرًا عليه، أوّلاً لأنّني صرتُ وحيدًا تمامًا وثانيًّا لأنّه كان إنسانًا تعيسًا للغاية وسط ذكرى زوجة إنتحَرت وإبنًا تجاهله لأكثر مِن عشرين سنة.

دفنتُ والدي بالقرب مِن والدتي، آملاً بأن يتصالحا في الموت ويُكملا ما بدآه، وعدتُ إلى حياتي.

 

قد يهمّكِ أيضاً