الدفتر الأحمر

الدفتر الأحمر

تغيّرَت حياتي بأسرها بعد موت والدتي، أو يجدرُ بي القول: إنتحارها. أجل، فلقد قرَّرَت أمّي في أحد الأيّام أن تُنهي حياتها بنفسها بأخذ عدد لا يُحصى مِن الأقراص، ربمّا لتتأكّد مِن أنّها لن تنجو. كنتُ آنذاك ولدًا صغيرًا، ولَم أفهَم لماذا تخلَّت عنّي هي نفسها التي أعطَتني الحياة.

أبي هو الذي زفَّ لي الخبر المُفجِع وكرهتُه لأقصى درجة، خاصّة أنّه كان قد تشاجَرَ مع أمّي في اليوم نفسه. كنتُ قد سمعتُ صَوتَيهما ولَم تكن تلك المرّة الأولى. فكان مِن الواضح أنّ خلافات كبيرة كانت تسكنُ زواجهما منذ البدء. لماذا لَم تترك أمّي زوجها إن كانت غير سعيدة معه؟ ألَم يكن مِن الأفضل لو أخذَتني ورحلَت معي بعيدًا؟ كنّا سنعيش سعيدَين مع بعضنا ونبدأ حياتنا مِن جديد.

بعد رحيل والدتي، سكَنَ بيتنا حزنٌ عميقٌ وفراغٌ لا يوصَف. ففي كلّ أنحائه كنتُ أراها، تارةً جالسةً على أريكتها المُفضّلة وتارةً في المطبخ تُحضّر الغداء أو العشاء. كنتُ أسمعُها تُغنّي لي وأنا في سريري، فأُغمضُ عينَيّ وأدّعي أنّها مُستلقية بالقرب منّي تُداعبُ شعري كما كانت تفعل كلّ ليلة.

أبي مِن جانبه فقَد كلّ لذّة في الحياة، فقد كان يجلسُ صامتًا لِساعات في المساء بعدما يعودُ مِن عمله. كانت تأتي جارتنا لتهتمّ بي حين أكون لوحدي في البيت، ولكن بعد رحيلها كان عليّ البقاء مع الرجل الذي أتعَسَ أمّي ودفعَها إلى الموت.

كبرتُ بِصمت وعُزلة عميقة، وبصُحبة شبَح والدتي الذي كان رفيقي الوحيد.

هل أحبَّ والدي لاحقًا إمرأة أخرى؟ لستُ أدري، فلَم يأتِ بأحد إلى البيت أو يلفظ اسمًا غير اسم صونيا أمّي. قد يكون عاشَرَ إحداهنّ، لكن لأغراض جسديّة بحتة، لستُ أدري.

حين دخلتُ الجامعة شعرتُ بنوع مِن التغيير، إذ أنّني صادقتُ بعض الزملاء وصِرتُ أخرجُ أخيراً مِن البيت. للحقيقة لَم أُدرِك مدى عزلتي إلا حين تعرّفتُ إلى العالم الخارجيّ المليء بالفرح والتسلية. لَم أقل لأحد إنّ أمّي انتحَرت بل أنّها فقدَت حياتها نتيجة حادث سيّارة. كنتُ أخجَل مِن تلك الحقيقة وكأنّها دلالة على أنّني غير مُستحبّ، فأمّي لَم تتردّد عن تركي لوحدي وأنا صغير. أحببتُ فتاة في الجامعة لكن عن بُعد خوفًا مِن أن تتركني هي الأخرى. فكيف لي أن أتحمّل أن يحصل لي الشيء نفسه مرّتَين؟ بقيتُ مِن دون حبيبة فعليّة لوقت طويل، وكأن الأمر طبيعيّ بالنسبة إليّ. حاوَلَ أبي حثيّ على المواعدة، إلا أنّني أجبتُه بأنّ تلك المسائل مِن شأني أنا وحدي. سكَتَ كعادته وعادَ إلى صمته.

 

قد يهمّكِ أيضاً