الخالة سعاد

الخالة سعاد

ـ أجل... بعد أكثر مِن خمس عشرة سنة... وأهتمُّ شخصيًّا بخالتي سعاد فلقد ماتَت والدتي وسبقَها أبي، وها نحن نعيشُ سويًّا الآن.

 

ـ خالتكَ مريضة، هل رآها طبيب؟

 

ـ إنّها بغاية العناد، فلقد حاولتُ كثيرًا معها وهي تُفضّل البقاء في الدكّان.

 

ـ سأصفُ لها بعض المقوّيات ريثما أٌقنعُها بِعرض نفسها على أخصّائيّ.

 

ـ لطالما كنتِ فتاة جميلة يا نجوى... أتذكُرين حين كنّا نلعب سويًّا؟

 

ـ أجل... أشكرُكَ على الإطراء.

 

واحمرَّ وجهي، فقد كنتُ مُغرمة بماجد عندما كنّا صغارًا لكنّه لَم يُبدِ أيّ إعجاب بي آنذاك، وها هو يُغازلُني وينظرُ إليّ بإمعان. ودّعتُ الخالة سعاد وعدتُ إلى البيت لأجلبَ لها فيتامينات موجودة في حقيبتي التي لَم أُفرِغها بعد.

وعدَتني صاحبة الدكّان بأخذ المقوّيات، فارتاحَ بالي عليها قليلاً وبدأتُ أُعدُّ المحّل الذي اشتراه لي والديّ بعدما باعَ قطعة أرض لأحوّله إلى صيدليّة، وأطبّقُ ما تعلّمتُه في الجامعة ويستفيد مِن ذلك أهالي البلدة. كنتُ سعيدة للغاية لعودتي فأنا لَم أحبّ العاصمة وضوضاءها وتلوّثها.

ساعدَني ماجد كثيرًا لوضع الرفوف والأدوية في الصيدليّة، وأتى بصديق له للإعتناء بالكهرباء والمياه وصِرتُ أخيرًا جاهزة لاستقبال الزبائن. في تلك الفترة بالذات، وجدتُ أنّ حياتي كانت كما تصوّرتُها دائمًا، الأمر الذي زادَني حماسًا وإقدامًا.

علاقتي بماجد أصبحَت أقوى، وعلِمتُ منه أنّه لطالما كان مُعجبًا بي لكنّه لم يجرؤ على التقرّب منّي في ما مضى خوفًا مِن ألا أكون أُشاطرُه مشاعره، فطمأنتُه وقرّرنا أنّ الوقت حان لنعيش فعلاً قصّة حبّ جميلة قد تتحوّل إلى إنشاء عائلة صغيرة. الشيء الوحيد الذي كان يُقلقني هو أنّ ذلك الشاب لَم يدخل الجامعة وليس لدَيه وظيفة ثابتة بل يقومُ ببعض الأعمال الصغيرة. لَم أرِد أن يشعر يومًا بالفرق بالعلم والمهنة بيننا فيؤثّر ذلك على معنويّاته، ففي آخر المطاف كان إبن بلدة، أيّ أنّ كرامته كرجل كانت مُهمّة. إلا أنّه لَم يرَ مانعًا لوضعنا، بل هو شجّعَني على المضيّ بمشروعي مِن دون أن أشعر بذنب ما. على كلّ الأحوال، كان ماجد إنسانًا عاقلاً وما هو أهمّ، مُحبًّا للغاية. يكفي كيف كان يهتمّ بخالته ودكّانها ويبقى معها طوال الوقت ليُساعدها في بَيع بضاعتها، فالمسكينة بالكاد كانت قادرة على النهوض مِن زاويتها.

لَم تُسَرّ الخالة سعاد بعلاقتي بماجد، فهي أبدَت امتعاضها يوم رحتُ أزورُها في الدكّان:

 

ـ ماجد ليس مُناسبًا لكِ يا نجوى... بإمكانكِ إيجاد رجل أفضل.

 

ـ إنّه رائع بالفعل... أعلَمُ ما تقصدينه لكنّ الوضع يُناسبنا، لا تخافي.

 

ـ أنتِ بمثابة إبنة لي وأُريدُ سعادتكِ.

 

ـ لقد وعدَني ماجد بأنّه لن يترككِ حين نتزوّج وسيظلّ يُساعدكِ في المحلّ، لن يتغيّر شيء عليكِ. أُريدُكِ أن تتركي مكانكِ وتذهبي إلى بيتكِ، أرجوكِ... إفعلي ذلك مِن أجلي، فسأصبحُ قريبتكِ بعد وقت!

 

ـ أنا بأفضل حال هنا، صدّقيني... إهتميّ بنفسكِ يا صغيرتي، فحياتكِ أمامكِ وأنا حياتي على وشك الإنتهاء.

 

ركضتُ أقبّلها بقوّة وهي بكَت على كتفي. دخَلَ ماجد وسأَلَ ما الذي يجري، وطلَبَ مِن خالته عدَم إزعاجي لكنّني أكّدتُ له أنّها لَم تُزعجني بشيء بل فتحَت لي قلبها.

حدَّدنا موعد الزواج وكنتُ مُصرّة أن تحضر الخالة سعاد الحفل، لِذا أقنعتُها بأخذها إلى طبيب صديق وهي قبِلَت أخيرًا. وفي طريقنا إلى العيادة قالَت لي:

 

ـ لا أشكو مِن شيء، صدّقيني... مِن الأفضل أن نعود أدراجنا.

 

ـ لا بل سنُكمل طريقنا، وإلا غضبتُ منكِ، فلقد تركتُ الصيدليّة ليُديرها ماجد في غيابي مِن أجلكِ... كم يُحبُّكِ إبن أختكِ!

 

ـ هو لا يحبّ أحدًا... تمامًا كأمّه... فرخ أفعى، هذا ما هو، صدّقيني يا صغيرتي، فرخ أفعى!

 

وصلنا إلى العيادة وهي لا تزال تُحاول إقناعي بإعادتها إلى الدكّان إلا أنّني لَم أُجاريها. لكن حين خلعَت ملابسها ليفحصها الطبيب، أطلقتُ صرخة عالية: فقد كان جسدها مُغطّىً بالكدمات! حاولَت العجوز إستعادة ثيابها لكنّ الطبيب سألَها مُستاءً:

 

قد يهمّكِ أيضاً