الخالة سعاد

الخالة سعاد

كانت الخالة سعاد امرأة عجوزًا، ولا أتذكّر أنّني عرفتُها غير كذلك حتى حين كنتُ فتاة صغيرة، فهي لَم تتغيّر وكأنّها وُلِدَت مُسنّة. هكذا هم بعض الناس، ربمّا لأنّهم عاشوا حياةً صعبة منذ طفولتهم أو أنّهم ورثوا جينات سيّئة مِن أهلهم.

كنتُ أحبُّ دخول دكّانها المليء بالروائح المُختلفة مِن توابل وصابون وخبز ساخن، وانطبَعَ ذلك المزيج في ذاكرتي حتى اليوم. كنّا نُحبّها جميعًا، أي أولاد الحَي، لأنّها كانت سيّدة كريمة تفرّقُ علينا السكاكر مجّانًا وتنظرُ إلينا بحنين لا تملكه سوى اللواتي لَم تُنجِبنَ. فالمسكينة لَم تكن جميلة كفاية لتُعجِبَ رجلاً، وهي رضخَت لواقعها أخيرًا وقبِلَت به حتى صارَت تكره الجنس الخشن وتقسو على زبائنها الذكور.

لَم أرَ الخالة سعاد طيلة فترة دراستي الجامعيّة، لأنّني عشتُ تلك الفترة عند جدّتي في العاصمة ولَم أعُد إلى بيت أهلي إلا بعد نَيل شهادتي وقراري بفَتح صيدليّة في بلدتنا، إذ أنّ أهلها كانوا يقصدون المدينة المُجاورة لشراء أدويتهم. في اليوم الذي تلا عودتي، توجّهتُ على الفور إلى دكّان الخالة سعاد، وكَم كانت مُفاجأتي كبيرة حين وجدتُها مُلقاة في إحدى الزوايا وفي حالة يُرثى لها. كانت المسكينة قد تقدّمَت كثيرًا في العمر بالرغم مِن مرور سنوات قليلة، وبالكاد تتحرّك. حين رأَتني قالَت لي:

 

ـ أهلاً بكِ يا صغيرتي... لقد سمعتُ أنّكِ أصبحتِ صيدلانيّة وستستقرّين عندنا... خيار صائب.

 

ـ ما بكِ يا خالة؟ أراكِ مُتعَبة للغاية!

 

ـ لا عليكِ... خذي سكاكر مِن العلبة هناك... كما في ما مضى.

 

وابتسمَت العجوز بائنةً نيرة مجّردة مِن الإسنان. أخذتُ بعض السكاكر وشكرتُها وعرضتُ عليها أخذها إلى بيتها، لكنّها رفضَت بقوّة لا بل صرَخت:

 

ـ لا! لا! أُريدُ البقاء هنا!

 

في اللحظة نفسها دخَلَ شابٌ وسيم صَرَخَ بي:

 

ـ نجوىّ كَم أنّني مسرور برؤيتكِ!

 

ـ ماجد؟!؟ لقد عُدتَ أنتَ الآخر؟

 

قد يهمّكِ أيضاً