الحب الكاذب

الحب الكاذب

كنتُ مِن فئة الأولاد المحصّنين ضدّ مخاطر الحياة، وأبعَدوا عنّي كلّ ما قد يُشوّه الشرنقة الذهبيّة التي وُلدتُ فيها، لذلك صدّقتُ زياد، فلأيّ سبب قد يكذبُ عليَّ؟

ولأُؤكّد لأهلي أنّني لستُ فتاة ساذجة، فتّشتُ عن زياد على الإنترنت فوجدتُ صفحاته العديدة على منصّات التواصل الإجتماعيّ وكانت مليئة بمقتطفات كتاباته. قرأتُها كلّها وكذلك التعليقات العديدة مِن قِبَل المُنتسبين لحساباته وامتلأ قلبي بالفخر. أرسلتُ صورة عن تلك الصفحات لهاتف والدتي لأريها كيف أنّ الرجل الذي سرَقَ قلبي هو إنسان رقيق وشفّاف وموهوب!

عندها، أخذَت أمّي مُقتطفات مِن كتابات زياد وألصقَتها في محرّك البحث على الإنترنت، لتجِد أنّها واردة لدى كتّاب معروفين، أيّ أنّ حبيبي كان قد سرَقَ مِن غيره ما ينسبُه لنفسه. ركضَت المسكينة لتُخبرني بما اكتشفَته ولأعترفَ أنّني خُذِلتُ... ليس مِن قِبل زياد بل مِن والدتي التي تحوّلَت إلى جاسوسة هدفها إتعاسي وفصلي عن رجل حياتي! صرختُ بها عاليًا طالبةً منها أن تدعَنا وشأننا، واتّهمتُها بأنّها تغارُ مِن حبّنا لأنّها ليست سعيدة مع أبي. لَم أتأثّر بدموعها لدى سماعها كلماتي القاسية لها، بل غادَرتُ البيت ورحتُ ألتجئ عند حبيبي. كانت تلك أوّل مرّة أزورُه في مسكنه، وهو تفاجأ برؤيتي عند بابه فلَم يكن حتى مِن المفروض أن أعلَم عنوانه. لكنّني أخذتُه مِن الذين جمعونا صدفةً في بيتهم يوم لقائنا الأوّل.

تلبّكَ زياد لكنّه دعاني للدخول، وركضَ يُرتّب الفوضى التي تعمّ في الداخل قائلاً:

 

- تعرفين كيف هم الكتّاب... نحن لا نُعير أهميّة كبرى للنظافة والترتيب بل للإنسان ومُعاناته.

 

تأثّرتُ كثيرًا لِما قالَه فأجبتُه:

 

- لا تقلق يا حبيبي... سأهتمُّ بكلّ ذلك عندما نتزوّج.

 

هل فرِحَ زياد للخبر؟ راقبتُ ردّة فعله وهو ابتسَمَ قائلاً:

 

- لا يجوزُ لإنسانة رقيقة مثلكِ أن تسكن في مكان كهذا.

 

شرحتُ له أنّ والدي سيُساعدنا حتمًا ماديًّا فهو رجل غنيّ، الأمر الذي كان يعرفُه طبعًا زياد، وذلك فور إقناع أمّي بأنّها مُخطئة بما يخصّ ما اكتشفَته عن تلك الكتابات، وأخبرتُه ما جرى بالتفاصيل. سكَتَ حبيبي ثمّ أكّدَ لي أنّ أمورًا كهذه تحصل كثيرًا، إذ أنّ العديد يسرقُ أفكاره وجُمله ليشتهر مِن خلاله، وأنّه سيفعلُ ما بوسعه لتبرئة نفسه أمام والدتي ويأخذ بركتها. مكثتُ ساعات عديدة في تلك الغرفة الصغيرة المليئة بالأغراض العجيبة الغريبة، ولاحظتُ أنّه لا يمتلكُ كتبًا كثيرة أو حتى أوراقًا ليكتب عليها، وهو قال لي إنّه يُفضّل استعمال حاسوبه مُباشرةً.

عدتُ إلى البيت مُرتاحة البال وقويّة العزيمة، وبالكاد تبادلتُ الكلام مع أمّي بل فضّلتُ الجلوس مع والدي أقصُّ عليه مدى روعة زياد وكيف أنّنا نُخطّط لِبناء مُستقبلنا سويًّا. فرِحَ لي أبي وأعطاني بعض النصائح ثمّ وعدَني بمساعدتنا إن أقتضى الأمر. للحقيقة لطالما كنتُ مُقرّبة مِن والدي وهو استفادَ مِن ذلك في صراعه الدّائم مع أمّي، فهما لَم يكونا على تناغم بسبب الفرق في طباعهما ووجهة نظرهما.

بعد أيّام قليلة رحتُ وأمّي عند إحدى صديقاتها. كنتُ أحبُّ زيارة تلك السيّدة خاصّة أنّ عمر إبنتها كان يُناهز عمري، وكنتُ أجلسُ معها نحكي عن أمور عديدة وعن أهلنا الذين كانوا دائمًا يقفون بوجه مشاريعنا. جلسنا في الصالون جميعًا وإذ بالباب يُقرَع. تفاجأتُ للغاية عندما رأيتُ زياد يدخلُ مُرتديًا زيًّا أزرق اللون وحاملاً بِيَده علبة حديديّة ضخمة. هو لَم يرَني لأنّني كنتُ جالسة في زاوية الصالون. قالَت له صديقة أمّي:

 

قد يهمّكِ أيضاً