إبني المتبنَّى

إبني المتبنَّى

كان تامر ولدًا هادئًا، ولم نواجه مشاكل معه إلا حين بلَغَ سنّ المراهقة، الأمر الذي كان طبيعيًّا. فبمثل هذا السنّ، يبدأ الطفل مرحلة الانتقال إلى تحديد شخصيّته وفرض نفسه في عالم الكبار. علِمتُ ذلك مِن صديقاتي اللواتِي مرَرنَ بمواجهات عديدة مع أولادهنّ، وطمأنتُ زوجي الذي بدأ يرى في ابننا منافسًا على سلطته.

إلا أنّ تامر لم يهدأ بل بقيَ يتصرّف بتحدٍّ ومعاندة، وتراجعَت نتائجه في المدرسة وصِرتُ أشعرُ بغضب كبير ينبع مِن كلامه معنا ومِن نظراته إلينا. ماذا فعَلنا له لنستحقّ موقفًا مماثلاً؟ أحبَبناه وكأنّه فعلاً ابننا ولم ندَعه يشعر يومًا بأنّه غريب. حتى أقاربنا وأصدقاؤنا اعتبروه مِن دمنا، وأقسمُ أنّ ما مِن أحد وجّه له يومًا ولو ملاحظة صغيرة أو تلميحًا مبّطنًا. كان تامر يعيش فعلاً حياة جميلة وكريمة معنا.

تفاقَم الوضع بشكل جدّيّ حين شهَرَ تامر سكّينا على زوجي خلال إحدى شجارتهما وكادَ أن يجرحه. وإذ أدركَ ما كان على وشك أن يفعله، ركَضَ إلى غرفته ليبكي نادمًا. عندها قال لي زوجي شيئًا لن أنساه أبدًا:

 

ـ لم يكن يجدر بنا اختيار تامر بعدما علِمنا أنّ أباه مات في السجن، بعد أن طعنَه سجين آخر، وكانت أمّه تتعاطى المخدّرات وتوفّيَت مِن جرعة زائدة... الولد غير موزون، فلا بّد أنّه ورِثَ طباع أبيه وتأثَّرَ مِن تعاطي أمّه حين كان في بطنها. يا ليتنا جلبنا ولدًا غيره...

 

ـ توقّف عن التلفّظ بالسّخافات! إبننا إنسان لطيف ومهذّب! ولستُ نادمة لاختياره. لا أريد سماع هذا الكلام بعد الآن! هذه ليست طريقة لحلّ المشاكل، نحن أناس مثقّفون وعلينا تدارك الأمور بطريقة علميّة.

 

أدركتُ أنّ الوقت حان ليرى ابني طبيبًّا نفسيًّا لعلّه يُساعده في إخراج كل مشاعره العدائيّة واستعادة سلامه الداخليّ.

في البدء لم يقبل تامر بالذهاب إلى أخصّائيّ، إلا أنّني وعدتُه بتنفيذ رغباته لو فعل، وهكذا بدأ يزور عيادة ذلك الطبيب الشهير.

كان تامر يُعاني مِن غضب تجاه تخلّي والدَيه عنه، ومِن خوف عميق مِن أن نحذو حذوَهما، ولَم يكن يستطيع التعبير عن مخاوفه سوى بالعدائيّة. لم أفهم تلك المخاوف، فوالدا تامر كانا قد ماتا، وكنتُ وزوجي بصحّة جيّدة جدًّا، فكيف له أن يُفكّر بموتنا منذ الآن؟ شَرَحَ لي الطبيب أنّ المخاوف النفسيّة لا ترتكز على المنطق، لِذا مِن الصعب تفسيرها وتحليلها، على الأقل بالنسبة إلى أناس غير أخصّائيين مثلنا.

وبعدما أعطاني الطبيب النفسيّ التعليمات اللازمة، بدأتُ أعمل على طمأنة ابننا بموازاة الجلسات المهمّة التي كان يُتابعها. وهكذا، بدأتُ أراه يهدأ، وعُدتُ ألمَح بسمته الجميلة التي أحببتُها منذ اللحظة الأولى.

بعدما فهِمَ زوجي أسباب تصرّفات ابننا، ساعدَني كثيرًا على تقبّل نوبات غضب تامر، إلى أن انقطعَت بشكل ملحوظ. كنتُ سعيدة لأنّنا اجتَزنا كعائلة مرحلة صعبة للغاية.

لكنّ حالة تامر النفسيّة لم تُحَل كلّيًّا، فبالرّغم مِن هدوئه، كان الخوف لا يزال مسيطرًا على قلبه. صارَ يرتعب كلّما مرضتُ أو أبوه حتى بزكام بسيط، ويجلس بالقرب منّا مُمسكًا بِيَدنا وفي عَينَيه نظرة همّ كبير. كان هاجسه أن يفقدنا وأن تعود إليه المشاعر التي سكنَته عندما كان في المَيتَم.

 

قد يهمّكِ أيضاً