إبنتي المختلفة

إبنتي المختلفة

وافَقَ ذويّ طبعًا بعد أن فقدوا الأمل بأن يتزوّجني أحد، فامرأة مطلّقة ولها إبنة معوّقة لا تجذب العرسان بتاتًا. لكنّ حبّ جواد لي كان كبيرًا بقدر قلبه الذي كان يتّسع لي ولجنا.

لكن لم يتقبّل الجميع إبنتي، فعائلة جواد لم تفهم استعداده للعَيش مع معوّقة طوال حياته. بنظرهم كان يستحق أفضل مِن ذلك، وبدأوا يُمارسون ضغوطًا كبيرة عليه ليتراجع عن قراره بالزواج منّي. ولم تتردّد أمّه على معاتبتي لإقحام إبنها بمصيبة كان بالغنى عنها لو حكّمَ عقله واختار إمرأة غيري. خافوا طبعًا مِن أن أنجبَ له ولدًا آخر معوّقًا، مع أنّ الأطبّاء قالوا لي إنّ حالة جنا نادرة جدًّا والإحتمالات بحدوث إعاقة أخرى شبه معدومة. عندها عرَضتُ على حبيبي أن ننفصل قبل فوات الأوان، إلا أنّه رفَضَ قطعيًّا الرّضوخ لتدخلات الناس في حياته الخاصّة. إفتخرتُ بجواد وبقوّة شخصيّته وحبّه لي، وتزوّجنا أخيرًا.

أستطيع القول إنّ زوجي كان يعطف وبشكل كبير على جنا التي أصبحَت متعلّقة جدًّا به وتبحثُ عن رفقته في كلّ ثانية لأنّه أعطاها بمجرّد وجوده، شعورًا بالأمان. كنتُ سعيدة جدًّا لأنّنا كنّا نشكّل فعلاً عائلة متماسكة، وقرَّرتُ توسيعها بالإنجاب مجدّدًا. لكنّ جواد لم يعد متحمّسًا للفكرة، فبالرّغم مِن أنّه لم يقل ذلك بوضوح، إقترَحَ عليّ الإنتظار قليلاً قبل أخذ هكذا قرار. وعندما سألتُه عن السّبب، إكتفى بالقول:"لدَينا مصاريف كثيرة وأعمالي بوضع سيّىء". بالطبع لم أرَ سببًا للشكّ بكلام زوجي، فتابعتُ حياتي بتفاؤل لم أعرفه مِن قبل.

إلا أنّ الأحداث بدأَت تأخذ منعطفًا مختلفًا، حين اقترَحَ عليّ جواد أن نُرسل جنا إلى مؤسّسة خاصّة خلال النهار كي يتسنّى لها الإختلاط بالناس وتعلّم أمور عديدة، كقراءة "البراي" أو الأشغال اليدويّة لتُسلّيها وتُخرجها مِن قوقعتها. سرُرتُ جدًّا للخبر، فكنتُ أتمنّى أن يحدث ذلك مِن قَبل، لكنّ إمكانيّاتي، كما ذكرتُ، لم تكن تسمح لي بصرف مبالغ لا أملكُها. لم يخطر ببالي أنّ زوجي الذي كان أجَّلَ موضوع الإنجاب بسبب مصاريفنا الكثيرة، كان قد أصبَحَ مستعدًّا لدفع قسط لا بأس به مِن أجل إبنتي.

وهكذا، صارَت جنا تقصد المؤسّسة في الصّباح لتعود بعد الظهر، الأمر الذي أعطاني متّسعًا مِن الوقت للإعتناء بالبيت وبنفسي.

بعد حوالي الثلاثة أشهر، زفّ لي جواد خبرًا وصفَه بالسّار: كانت المؤسّسة تعرض تأمين المنامة والوجبات إلى جانب توسيع البرنامج لتعليم صنعة حرفيّة قد تساعد ذوي الإحتياجات الخاصّة على إيجاد عمل. لم أرَ الحاجة لذلك، لكنّ زوجي شرَحَ لي أنّنا لن نعيش إلى الأبد وأنّ على جنا تدبير نفسها في أحد الأيّام. إقتنعتُ بالموضوع بالرّغم مِن قلَقي على ابنتي مِن بقائها بعيدة عنّي، وعلى نفسي مِن العَيش مِن دونها خمسة أيّام في الأسبوع. لكنّ مصلحتها كانت تأتي أوّلاً، وهكذا قُمنا بحجز غرفة جميلة لها. وبعد أن أفهمتُ جنا بأنّها ستبقى في المدرسة وتأتي إلى البيت خلال فرصة نهاية الأسبوع، ودّعتُها والدّمع في عَينَي.

 

قد يهمّكِ أيضاً