أُجبِرت على التسوّل

أُجبِرت على التسوّل

وفي تلك الليلة، رأيتُ ذلك الشاب في منامي واستَيقظتُ مبتسمة. وكان مكتوب لحلمي أن يتحقّق، ففي اليوم التالي عادَ جاد ومعه الأكل والشرب، ووقَفَ معي ينظر إليّ وأنا آكل، وإلى ولَدَيّ وهما يلتهمان ما جاء به لنا. وسألني:

 

ـ أنتم جائعون للغاية... ألا يعطيكِ الناس ما يكفي؟

 

ـ بلى ولكن... يأخذون هم كلّ ما أجنيه.

 

ـ مَن هم؟

 

ـ زوجي وعائلته

 

وأخبَرتُه قصّتي مِن أوّلها وعندما انتهَيتُ مِن الكلام، هزّ جاد برأسه وصَعِد بسيّارته واختفى. وبدأ يأتي لرؤيتي كلّ يوم وكنّا نغيّر مكان لقائنا كي لا يُلاحظ أحد شيئًا.

وباحَ لي جاد بحبّه لي وبنيّته الزواج منّي واحتضان طفلَيَّ. طرتُ مِن الفرح لأنّني أنا أيضًا أحبَبتُه، ولكنّني عدتُ وسكتُ مطوّلاً عندما تذكَّرتُ أنّني لا أزال متزوّجة وأنّ العيش مع جاد مستحيل.

بكيتُ كلّ دموعي بعدما رأيتُ نافذة خلاصي تُغلَق بوجهي. ولكنّ جاد لم يكن مستعدًّا للاستسلام. كان مِن هؤلاء الرّجال الذين يعرفون كيف يُحبّون ويتحلّى بشجاعة شبه أسطوريّة.

في البدء أعدّ لي خطّة باءَت بالفشل لشدّة مراقبة زوجي وأهله لي. وجاء لي بخطّة ثانية وثالثة إلى أن نجَحتُ أخيرًا بالهروب مع ولَدَيّ. لن أنسى كيف ركَضتُ في الليل كالمجنونة مع طفلَيَّ... ركضتُ بعيدًا عن هؤلاء الوحوش المعدوميّ الأخلاق والعاطفة. ركضتُ نحو مستقبلي الواعد. لم أنظر ورائي.

وحين أصبحتُ بأمان مع جاد، بقيَ لنا أن نجد طريقة لاقناع زوجي بأن يُطلّقَني، وقرَّرَ حبيبي أنّ أفضل حلّ هو أن يعرض عليه المال فلطالما كان ذلك جلّ ما يهمّه. ولكنّ توفيق كان غاضبًا جدّاً مِن إفلاتي منه وفقدان "استثماره" برحيلي. فعندما قابَله جاد، رفَضَ زوجي التخلّي عنّي، لأنّني حسب قوله كنتُ "أدرّ عليه مبالغ كبيرة تفوق كلّ الذي يُمكن لأحد تقديمه". وحين أكمَلَ جملته، أخرجَ مِن جيبه سكينًا كبيرًا وظَهَرَ مِن وراء الأبنية أيضًا شبّان مسلّحون. ولكنّ جاد لم يأتِ لوحده إذ كان قد اصطحَبَ هو الآخر أصدقاء له بعدما أخبَرته عن احتمال حدوث تشابك.

ودارَ الضرب والعراكَ وتفوّق جاد ورفاقه على أخصامهم. عندها، استوعَبَ توفيق أنّه لن يربح شيئًا إن تمسّكَ بي، ففضّل أخذ المال وتطليقي.

وأصبحتُ امرأة حرّة، ولم أصدّق عَينَيَّ عندما رأيتُ أوراق الطلاق موقّعة بيد الذي أهانَنَي وضَرَبني وجوّعَني وجوّع ولَدَيَّ.

وعندما تزوّجتُ مِن جاد، بكيتُ مِن الفرح لاستردادي كرامتي وللمستقبل الجميل الذي كان ينتظرني.

ورضيَ أهلي عليّ أخيرًا.

اليوم وبعد خمسة سنوات على زواجي وإنجابي لبنت جميلة، أستطيع القول إنّني سعيدة فعلاً. وعندما أفكّر بما مرَرتُ به، أدرك أنّ الأمل دائمًا موجود، وأنّ الضوء في آخر النفق ليس بالضرورة بعيدًا. فالله لا يترك عباده.

 

حاورتها بولا جهشان

قد يهمّكِ أيضاً