أُجبِرت على التسوّل

أُجبِرت على التسوّل

وأمام اندهاشي ورفضي القاطع، تدخّل توفيق فصفعني بقوّة وقال لي: "ستفعلين كما نقول لكِ... لا مكان لكِ لتذهبي إليه بعد الآن... إذا كنتِ مطيعة ستعيشين مرتاحة وإلا..." وصفعَني مجدّدًا لآخذ فكرة عمّا كان بانتظاري.

ولحقتُ بسرب نساء العائلة بعد أن علّمني ما عليّ قوله وكيف أتصرّف، وأفهمَني أنّ مِن الممنوع أن يأتي المساء مِن دون أن أكون قد جنَيتُ مبلغًا معيّنًا.

 

بكيتُ كثيرًا في ذلك اليوم، الأمر الذي حَمَلَ المارّة على التحنّن عليّ غير مدركين السّبب الحقيقيّ لدموعي.

وفي المساء، علِمتُ أن المال الذي جمعتُه لن يبقى معي بل ستأخذه حماتي ولن أرى قرشًا منه. فقد كان مِن المستحسن ألا آكل كثيرًا لأبقى نحيفة، إذ مَن سيُساعد صبيّة بكامل صحتّها؟ لِذا لم يُعطوني سوى قطعة خبز وبعض اللبَن.

وعندما علِمتُ أنّ حياتي متّجهة نحو مكان بشع، إتصَلتُ بأخواتي وأمّي بنيّة العودة ولكنّ أبي لم يقبل. كم بكيتُ! هل يُعقل أن يكون قلبه بهذه القساوة؟ صحيح أنّني أخطأتُ بالهروب، ولكنّني كنتُ لا أزال في السابعة عشرة مِن عمري، أي أعطي للعواطف أهميّة تفوق أيّ شيء آخر. ما أغرب الأهل... ينسون بسرعة أنّهم كانوا أيضًا بسنّنا ومرّوا بالمشاعر نفسها...

 

بقيتُ على اتصال مع أخواتي، ولكنّني لم أقل لهنّ عن الذي يجري خوفًا مِن الشماتة، وخوفًا عليهنّ مِن زوجي وأهله الذين كانوا يحملون معهم سكاكين ليلاً نهارًا ولا يتردّدون باستعمالها في الوقت اللازم.

وسرعان ما حمِلتُ بأوّل ولَد ومِن ثمّ بالثاني، فعند هؤلاء الناس كان مِن الضروريّ أن تنجب المرأة لتأخذ طفلها معها إلى الطريق. وصُدِمتُ كثيرًا عندما رفَضَ زوجي أخذ ابني عند الطبيب عندما مرَضَ، واكتفى بالقول: "طفل مريض يُكسبنا مالاً أكثر". صُعِقتُ عند سماع ذلك، وركضتُ به إلى الصيدليّة بعدما اتصلتُ بإحدى أخواتي لآخذ منها ثمن الدواء.

كنتُ أخبّئ بعض المال مِن حين إلى آخر في مكان خارج البيت، لأنّني عند دخولي كنتُ أخضع لتفتيش دقيق مِن قِبل جميع أفراد العائلة.

وفي اليوم التالي كنتُ أقصد أنا وابنَيَّ مخبئي وأشتري لهما القليل مِن الأكل والشرب. كنتُ أفعل ذلك سرًّا وبسرعة لأنّ باقي "الفريق" كان يُراقبني عن بعد طوال الوقت.

 

ومرّت الأشهر على هذا الوضع السيّء أي بالمرض والجوع والتعب، حتى التقَيتُ بجاد، شاب كان مارًّا في سيّارته ورآني، وبالكاد كنت قادرة على الوقوف وأنا أحمل بيدي ابني الصغير وإلى جانبي الأكبر.

كان الطقس حارًا وكنّا واقفين في الشمس، فَرَكَن جاد سيّارته بسرعة ودَخَلَ دكّانًا واشترى لنا قنانٍ مِن الماء وبعض السكاكر. نَظَرتُ إليه بامتنان، فقليلون هم الذين يلتفتون إلينا إن لم ألحّ عليهم وأتوسّل إليهم بقوّة. إبتسَمَ لي ورَحَلَ.

 

قد يهمّكِ أيضاً