أين فريدة؟

أين فريدة؟

مرَّت السنوات ولَم يُرزَق خالي بأولاد وباتَ مِن الواضح أنّ الأمر عائد لمشكلة لدَيه. فلَم يعُد مُصرًّا على الإنجاب وركّزَ أكثر فأكثر على تجارته مُهمِلاً بطريقه فريدة بالرغم مِن جمالها ورقّتها. فمِن المعلوم أنّ الإنسان يعتادُ بسرعة على الجمال ولا يعودُ يُميّزه وينبهرُ به كالسابق. فريدة، مِن جهتها، عمِلَت جهدها لصرف ما يمُكنُها مِن مال زوجها ولَم تكن لتُلام، فتحمّل سمير شكلاً ومضمونًا كان له ثمن. في آخر المطاف، كلاهما كان قد وجَدَ سعادته في مكان ما.

إلا أنّ الانسان، الطبيعيّ طبعًا، لا ينفكُّ يبحث عن نصفه الآخر، فهذا مصيرُنا شئنا أم أبَينا، لِذا أحسَّت فريدة بالحاجة إلى رجل يملأ فراغها العاطفيّ... والجسديّ. فلقد سمعتُ والدتي تُخبرُ والدي أنّ سمير توقّفَ عن القيام بواجباته الزوجيّة حين أدركَ أنّه عاقر، ولَم يعد يرى حاجة لصرف طاقته مِن دون جدوى بل فضَّلَ استعمالها في تجارته.

وبعد أن سئمَت فريدة مِن التسوّق وشراء كلّ ما يلزم لعائلتها وأصدقائها، أخذَت لنفسها عشيقًا. كيف علِمتُ ذلك؟ أوّلاً لأنّني لاحظتُ تغيّرًا بمزاجها، فهي باتَت سعيدة وتضحكُ طوال الوقت، وثانيًا لأنّني رأيتُها برفقة رجل وسيم. ربطتُ الأمرَين ببعضهما وعلِمتُ بما يجري. لَم أقل شيئًا لأحد، فذلك لَم يكن مِن شأني لا بل فرحتُ ضمنًا لفريدة بالرغم من أنّ ما كانت تفعله هو مُشين بحدّ ذاته. تمنَّيتُ حتى لزوجة خالي أن تهربَ بعيدًا مع حبيبها، فأنتم لا تعرفون سمير... ولن تعرفوا كيف تكون الحياة معه.

مرَّت قرابة السنة وشعرتُ بأنّ شيئًا يتحضّرُ لكن مِن دون أن أعرف ماذا بالتحديد، وقصّة خالي وزوجته أخذَت الكثير مِن انتباهي ومُراقبتي ولستُ أدري لماذا. ما أعرفُه هو أنّ فريدة تغيّرَت فجأة بعد أن غادرَها الفرَح والحماس وفقدَت بسمتها الجميلة لتحلّ محلّها كآبة لا مثيل لها. فالمسكينة لَم تعُد تُبارح المنزل لا بل فراشها، والطبيب لَم يجِد لدَيها أي مرض جسديّ بل وصَفَ لها بعض الأقراص التي لن تُشفيَ الحزن الذي يسكنُ في قلبها.

وذات يوم، أخذتُ على عاتقي معرفة حقيقة ما يجري، فاخترتُ وقتًا يكون فيه خالي في شركته وزرتُ زوجته. هي استقبلَتني بسرور لأنّها كانت تكنُّ لي مودّة خاصّة، وسألتُها فيما كنّا نشرب القهوة:

 

ـ ما الأمر يا فريدة؟ أراكِ حزينة طوال الوقت والدمعة لا تُفارق عَينَيكِ.

 

ـ الحياة قاسية... لا تحمِل همّي أرجوكَ.

 

ـ كنتِ سعيدة في العام الذي سبَق... وقد أعرفُ السبب. لا تُسيئي فهمي، فأنا لا اتدخّل بشؤونّكِ الخاصّة، لكن إعلمي أنّني إلى جانبكِ فلديكِ الحقّ بأن تعيشي سعيدة. أعلمُ كَم مِن الصعب تحمّل طباع خالي وغلاظته، فهو إنسان أنانيّ وغير مبالٍ بشعور مَن حوله ولن يلومُكِ أحدٌ لو قرّرتِ البحث عن شخص آخر.

 

ـ أنا لا أفهَم ما تقصد.

 

ـ بلى يا فريدة، فلقد رأيتُكِ مع ذلك الرجل. كنتِ سعيدة... ما الذي غيّر أحوالكِ؟

 

ـ إنّه... يا إلهي... لا... لا أعرفُ عمّن تتكلّم.

 

ـ أقسمُ لكِ بأن أكتُمَ سرّكِ... تمامًا كما لَم أُخبِر خالي عن الرجل الآخر. لا بدّ لكِ أن تثقي بأحد، فلا يُمكنكِ تحمّل هكذا حياة مِن دون صديق.

 

ـ لقد ماتَ حبيبي.

 

قد يهمّكِ أيضاً