أمي البديلة

أمي البديلة

كلّ الأديان أوصَت بأن نكرّم والدَينا، وهذا ما فعَلتُه حتى آخر أيّامهما. ماتَ أبي أوّلاً ومِن ثمّ والدتي بعدما عانَت المسكينة سنوات طويلة مِن مَرض سَرَقَ منها ليس فقط الصحّة بل البهجة والأمل. إعتنائي الدائم بها لم يكن بسبب كَوني ابنها الوحيد، ولكن مِن كثرة حبّي لها واحترامي للتضحيات التي قدّمتها مِن أجلي.

ونسيتُ نفسي معها، لا أخرج سوى للذهاب إلى عملي، وعند عودَتي كنتُ أتفرّغ لـ "ملكَتي" كما كنتُ أسميّها. فمَن ينظر بتمعّن إلى ملامحها المتعبة، كان قادرًا على رؤية الجمال الذي أثارَ انتباه الجميع ودهشتهم.

نسيتُ نفسي معها ولَم أعاشر فتيات ولَم أُغرَم، ربما لأنّني كنتُ أعلم أنّني لستُ قادرًا على ترك أمّي، أو بكلّ بساطة لأنّني لن أجد أبدًا مَن يُضاهيها.

وعندما فارقَت والدتي الحياة، كنتُ قد تخطَّيتُ الثلاثين مِن عمري، ولم أعد أعلم كيف أعيش مِن دون التي لفظَت أنفاسها وهي تدعو لي بالتوفيق، وأصبَحَ المنزل فارغًا لا يحتوي سوى ذكريات وأصداء أنين سكَنَ جدرانه.

قد يظنّ البعض أنّني أهدَرتُ نصف حياتي، ولكنّني لَم أندَم ولو للحظة واحدة، لأنّ العيش مِن دون حبيبة أفضل بكثير مِن تأنيب الضمير أو الشعور بالتقصير أو إهمال مَن هم بحاجة إليّ.

تابَعتُ حياتي بحزن عميق، ولاحَظَ زملائي في العمل كيف أمسَيتُ أقوم بعملي مِن دون حماس، وأبقى بعد الدوام أطوَل وقت ممكن كي أتفادى العودة إلى مسكني الموحش. لِذا قرَّرَ البعض الترفيه عنّي باصطحابي إلى سهرة في أحد المطاعم الفخمة، ولم يتركوا لي خيار الرّفض، فرافقتُهم على مضض. لم أكن أعلم بعد أنّني سأتعرّف في تلك الليلة إلى مايا.

 

قد يهمّكِ أيضاً