هذه القصّة هي قصّة عائلة مزّقَتها الخيانة والكذِب، وتفرّقَ الدَم لينقلِبَ إلى ماء...
كلّ شيء بدأ حين كنتُ لا أزالُ ولَدًا في الخامِسة مِن عمري. آنذاك، كانت الحياة جميلة وسط عائلتنا الصغيرة في بيت عمِلَت أمّي على تحويله إلى عشٍّ دافئٍ لي ولأبي. لكنّ ذلك الأخير لَم يكن أهلًا لهذا الاهتمام، بل يطمَع إلى آفاقٍ أخرى والتغريد خارج السَّرب. هو لَم يُعطِني وأمّي الاهتمام الذي لاقاه مِن قِبَلنا، بل بقيَ يتحجّج بِعمَله الذي ادّعى أنّه يأخذُ وقته بالكامِل، لِذا كان يغيبُ على الدوام. فقضَيتُ سنتَين على ذلك النحو، إلى حين قالَ لي والِدي في أحَد الأيّام:
ـ سأرحَل مِن هنا، فضاقَ صدري... تعالى معي.
ـ إلى أين، يا بابا؟
ـ إلى بيت آخَر فتحتُه منذ فترة وحيث ستسكنُ فيه سيّدة جميلة.
ـ وماذا عن الماما؟
ـ أمّكَ ستبقى هنا، فلا حاجة لنا لها.
ـ بل أحتاجُها، فهي أمّي! ومَن تكون تلك السيّدة الأخرى؟
ـ ستعرفُ قريبًا... وسيعرفُ الجميع قريبًا... وستحدث مشاكل كبيرة، لكنّني لستُ مُهتمًّا لتلك المشاكل. أتريدُ مُرافقتي؟
ـ لا، بل سأبقى مع الماما.
ـ في البيت الآخَر هناك ألعاب كثيرة!
ـ لكنّ الماما لن تكون معي... لا، إذهب لوحدكَ.
ـ ستندَم على خَياركَ... تُفضِّل البقاء مع تلك المرأة المُمِلّة والدائمة الحزن؟
ـ إن هي حزينة، فذلك بسببكَ... فأنتَ لا تأتي إلى البيت إلّا نادِرًا.
ـ أنا رجُل مشغول جدًّا!
ـ مع تلك السيّدة الجميلة؟
سكَتَ أبي واكتفى بهزّ رأسه أسفًا عليّ. وبعد ساعات، رحَل. هو لَم يكن مُخطئًا بشأن المشاكل التي كانت ستحدثُ بعد رحيله، لأنّ السيّدة الجميلة التي كان يتكلّم عنها... كانت زوجة أخيه!
هرَبَ العشيقان في "ليلة بلا ضوء قمَر"، وفي الصباح، إكتشَفَ عمّي فؤاد أنّ زوجته أخذَت أمتعتها ورحلَت بعد أن تركَت وراءها أولادها ورسالة صغيرة مكتوبٌ عليها: "لن أعودَ، الوداع". تصوّروا ردّة فعل المسكين الذي خسِرَ التي خالَها ستبقى إلى جانبه إلى الأبد، خاصّة أنّه كان يُحبُّها لِدرجة لا توصَف. إلّا أنّه لَم يكن يعلَم بعد لماذا رحلَت، وما هو أهمّ، مع مَن.
مِن جهّتها، حصَلَ الشيء نفسه مع أمّي، ووحدي كنتُ على عِلم بالذي كان ينوي أبي فعلَه، إلّا أنّني كنتُ لا أزال أجهلُ هويّة تلك "السيّدة الجميلة". خالَت المسكينة والِدتي أنّ مكروهًا حصَلَ لزوجها لأنّه، على خلاف عشيقته، لَم يترك رسالة، لِذا هي جالَت المستشفيات وقسم الشرطة واتّصلَت بالأقارب والأصدقاء. وعندما علِمَت مِن سِلفها أنّ زوجته رحلَت، هي ربطَت الأمور ببعضها، لكنّها حفظَت شكوكها لنفسها خوفًا مِن أن تكون مُخطئة وتُحدِث مُشكلة عظيمة. فالجدير بالذكر أنّ فؤاد كان رجُلًا حاد الطباع ويغارُ كثيرًا على زوجته.
خلال ذلك اليوم، كانت العائلة والجيران والأصدقاء في حالة إرباك وعدَم التصديق، وبكى أولاد عمّي كثيرًا خوفًا على أمّهم. بقيَ خطَا الهاربَين مُقفلَين طوال الوقت فاستحالَ الاتّصال بهما للاطمئنان. لكنّ خبَر ورَدَ لنا مفاده أنّ أحَدًا رأى أبي وزوجة عمّي معًا في السيّارة وكانا يبدوان في غاية السعادة. وَقع ذلك الخبَر كان قاسيًّا على أمّي وعمّي، واحتارَ الجميع ماذا يقولُ أو يفعل.
لَم تُصدِّق والدتي الخبَر، فبالرغم مِن عدَم اهتمامه بها ومعاملته الفاتِرة لها، بنظرها هو كان رجُلًا مشغولًا بِعمَله على الدوام ليؤمِّن لعائلته الأفضل. لكنّ فؤاد كان قد أخَذَ قراره، وهو مُعاقبة العشيقَين لِغَسل العار الذي ابتلى به، فأخوه، الذي هو مِن لحمه ودمه كان قد خانَ ثقته، وعاشَرَ زوجته وأقنعَها بتركه والهروب معه.
مرَّ أسبوع على الحادِثة، وبدأت أمّي تستوعِب شيئًا فشيئًا ما حدَثَ، فبكَت ونحَبَت، وشتمَت، ثمّ هدأَت وقالَت لي:
ـ لا عليكَ يا حبيبي... سنتدبَّر أمرنا.
ـ لستُ خائفًا يا ماما، لكنّني حزين مِن أجلكِ.
ـ وماذا عنكَ؟ ألستَ حزينًا لِرحيل أبيكَ؟
ـ للحقيقة لا... فهو كان غائبًا على الدوام، واعتَدتُ على الأمر. إضافة إلى ذلك، هو عرَضَ عليّ مُرافقته قَبل يوم واحِد مِن هروبه مع "السيّدة الجميلة".
ـ ماذا؟!؟ كان ينوي أخذكَ منّي؟!؟ ومنذ متى هو يهتمّ لأمركَ؟ أم أنّه أرادَ تجريدي مِن كلّ شيء؟ ماذا فعلتُ له؟ ألَم أُعطِه بيتًا جميلًا؟ ألَم أخدِمه بعَينَيّ؟ ألَم أُنجِبَ له ولَدًا يحملُ اسمه؟
ـ إهدئي يا ماما... هو لا يستحقُّ أن تأسفي عليه.
ـ سيّدة جميلة... أهذا ما أرادَه؟ جمال وحسب؟ هل هو أحبَّني فعلًا أم استغلَّني فقط؟
ـ ماما... سيلقى عقابه، فعمّي لن يسكت على ما فعلَه، صدّقيني.
ـ أنتَ على حقّ، لِندَع فؤاد يتصرَّف.
فتّشَ عمّي عن العشيقَين في كلّ مكان، وصارَ مهووسًا بإيجادهما، إلّا أنّهما إختفَيا كلّيًّا، وكأنّ الأرض ابتلعَتهما، فاستنتَجَ أنّهما هرَبا إلى بلَد آخَر. وإن يكن، سيأتي يوم ويظهران في مكان ما! أليس الانتقام طبَق يؤكل بارِدًا؟
مرَّت الأشهر ثمّ السنة والأخرى، واعتدنا على غياب رجُل لَم يكن موجودًا بالأصل. وجدَت أمّي عمَلًا في محلّ للأحذية، ورأيتُها سعيدة ومُرتاحة. فالحقيقة أنّها لَم تكن سعيدة مع زوجها الذي لَم يفعل شيئًا مِن أجلها سوى إعطائها المال لتصرِفه ليس على نفسها، بل على البيت، أي عليه وراحته. وبعد رحيله، واختلاطها بالناس على صعيد يوميّ، وجني المال حتّى لو لَم يكن وفيرًا، هي ذاقَت طعم الحريّة وتحقيق الذات.
ساعدتُها على طريقتي، أيّ بالاجتهاد في المدرسة لِتفتخِرَ بي وتُدركِ أنّها فلِحَت بشيء خلال زواجها وهو إنجاب صبيّ ناجِح ومُهذّب.
لكنّ عمّي لَم يتعامَل مع الأمر بالطريقة نفسها، بل غاصَ بالاكتئاب المصحوب بالغضب والخذلان، فبدأ يشرب الكحول بعدما وضَعَ أولاده عند أهله وباتَ يعيشُ لوحده. كنّا نزورُه مِن وقت لآخَر، فيُردِّد لنا: "سأجِدُهما، سيأتي يوم وأمسكُهما في رقبتهما وأُنهي حياتهما!". كنّا نُحاوِل تهدئته، لكن مِن دون جدوى. فكان مِن الواضح أنّ هدَف حياته صارَ الانتقام وحسب.
عادَت ومرَّت السنوات وصِرتُ مُراهِقًا وأوشكتُ على دخول الجامعة، حين ضجَّت العائلة بِخبَر كنّا جميعًا ننتظرُه، وهو أنّ أحَدًا استطاعَ تحديد مكان أبي وزوجة عمّي. كانا يسكنان في بلَد مُجاوِر، وأنجَبا ولدَين، ويعيشان سعيدَين وكأنّ شيئًا لَم يكن. في تلك الأثناء، صارَت أمّي مُديرة محلّ الأحذية وتجني ما يكفي لنا وخاصّة لها لتكون سيّدة أنيقة وسعيدة.
ركَضنا إلى بيت فؤاد لِنعرِفَ منه ما ينوي فعله بعدما عَلِمَ أين العشيقان. لكنّنا لَم نجِده، بل كان قد ترَكَ منزله وأخَذَ أوّل طائرة مُتّجِهة إلى ذلك البلَد. رفعَت أمّي عَينَيها إلى السماء وقالَت وصوتها يرتجِف: "أستُر، يا رب". سألتُها إن كانت خائفة على أبي، فأجابَت: "بل على عمّكَ... فهو سيُدمِّر حياته إن نفَّذَ ما بباله".
إنقطَعت أخبار فؤاد واحتَرنا بأمرنا، ولَم يبقَ لنا سوى الانتظار، أمرٌ صعبٌ على كلّ أفراد عائلتنا، خاصّة أولاد عمّي الذين كانوا يهابون قدوم ذلك اليوم.
عادَ عمّي أخيرًا مِن السفَر، لكنّه رفَضَ استقبال أحَد. بقيَ الرجُل حابِسًا نفسه في بيته لأيّام طويلة بالرغم مِن مُحاولة الجميع للاطمئنان عليه. ثمّ فتَحَ لنا أخيرًا بابه. وجَدناه هادئًا على غير عادته خلال السنوات الأخيرة، وحين سألناه ما الذي حصَل، هو قال:
ـ لا شيء... قصدتُ مساءً العنوان الذي أُعطيَ لي، ووجدتُ أخي وزوجته وولدَيهما في مشهد عائليّ طبيعيّ. ثمّ سكَنَ الرعب عينَي الهاربَين بعد أن أدرَكا ما جئتُ أفعله بهما، لكنّ الولدَين ركَضا إليّ ومسكاني بِرِجلَيّ لأدخل ويلعبان معي. نظرتُ مِن حولي ووجدتُ المكان نظيفًا ومرتّبًا، ووصلَت إليّ رائحة الطهو الممزوجة بمساحيق التنظيف... عائلة كسائر العائلات تتحضّر لتناول العشاء. عندها أدركتُ أنّهم جميعًا سعداء، ربّما أكثر سعادة مِن قَبل، أعني معي ومعكِ، يا زوجة أخي. هما إختارا تغيير حياتهما وبنائها مع بعضهما. وماذا سينفعُ قتلهما؟ حرمان ولدَيهما مِن تلك السعادة، وحرمان أولادي منّي بعد أن أدخل السجن؟ فهِمتُ أنّ لا أحَد يستطيع إجبار أحَدٍ على البقاء رغمًا عنه، فالإنسان سيظلُّ يبحثُ عن سعادته أينما كانت. عِقابُهما كان أنّهما عاشا بالخوف لسنوات، بانتظار أن ينتقمَ إحدانا منهما، وأظنّ أنّ ذلك كافٍ".
سكَتنا، فنبرة صوته كانت جدّيّة لكن هادئة. وشكرَت أمّي الله أنّ فؤاد لَم يقتل أبي أو زوجته، فالقتل لا يحلّ المشاكل، بل التعقّل ومواجهة الواقِع مهما كان بشِعًا، والمواصلة.
وبالفعل، تغيّرَت حياة عمّي بعد أن زالَ الحقد والغضَب مِن قلبه، وخاصّة الرغبة في الانتقام التي رافقَته لسنوات طويلة وحرَمَته وأولاده مِن العَيش كعائلة.
حاورته بولا جهش