وُضِعتُ مع أخَوَيَّ في المَيتَم، بعد أن فارقَت أمّنا الحياة وهي تلِد أخينا الصغير الذي أخذَه والدُنا واختفى معه. وبما أنّ لا أحَد أرادَ تربية ثلاثة أولاد، رمونا في مكان حيث يوجَد فيه الأولاد المنسيّون وغير المرغوب بهم. لا تخافوا، فقصّتي ليست عن المَيتم وما عانَيتُ فيه، بل قصّة أفراد عائلة كانت في يوم مِن الأيّام مُتماسِكة وتفرَّقَ أعضاؤها في أنحاء البلاد، لا بَل العالَم.
كنتُ الأخت الوسطى بين أخَوين، وبفضلهم استطَعتُ اجتياز صدمة فقدان أمّي بين ليلة وضحاها، والتواجد في مكان غريب عنّي وسط أولاد وأناس لا أعرفُهم. لَم أفهَم طبعًا أنّني خسِرتُ أيضًا أبي، فهو لَم يمُت وكذلك الصغير الذي كبرَ في بطن والدتي، وانتظرتُه أن يخرج منه بفارغ الصبر. لماذا تركَنا والدُنا الذي كان يأكلُ معنا قَبل أيّام على المائدة نفسها ويُلاعبُنا قَبل أن نخلُد إلى النوم؟ والجواب الوحيد الذي وجدتُه كان مِن نسج خيالي، خيال فتاة في السابعة مِن العُمر، ربّما لأُعطي بعض المنطق لِما هو غير منطقيّ. فلِمُدّة طويلة، أقنَعتُ نفسي أنّ أبانا تمّ خطفه مِن قِبَل مُنظّمة سرّيّة لسبب لا أعرفُه، وهم أخذوا أيضًا أخانا الصغير الذي لا بدّ أنّه كان برفقته. وكان مِن المحتوم أن يُفلِت والدُنا مِن خاطفيه ويعودُ إلينا يومًا ليأخذنا معه. إدّعى أخي الكبير أنّه صدّقَني، لكنّه كان كبيرًا كفاية لِفَهم الحقيقة المُرّة، وهي أنّ والدُنا إنسان جبان وغير مسؤول فضَّلَ نفسه علينا كلّنا. أمّا بالنسبة لأخينا الصغير، فأعجبَته روايتي وتبنّاها لمُدّة، وصرتُ أحوكُ معه سيناريوهات مُعقدّة يكون فيها ذلك الجبان بطَلًا لا مثيل له.
زارَنا بعض الأقارب مِن الجهتَين ليُسكِتوا ضميرهم، وجلَبوا لنا الطعام والسكاكِر والألعاب، على الأقلّ في المدّة الأولى. ثمّ تباعدَت الزيارات لتتوقّف أخيرًا. حجّتهم لِتَركنا في المَيتم كانت أنّهم لَم يشاؤوا تفريقنا بأخذ كلّ منهم ولَدًا، لكنّها كانت حججًا رخيصة. رحمَكِ الله، يا أمّي، كنتِ الوحيدة بين العائلتَين التي كانت تتمتّع بالقيَم والحنان والمحبّة. وبالرّغم مِن حبّي لها، بدأ ذكراها يتلاشى بسرعة، وكأنّ دماغي أرادَ حمايتي مِن ألَم فقدانها، وتوصّلتُ إلى نسيانها بشكل تامّ، على الأقلّ خلال صغري.
أمّا بالنسبة لأخوَيّ، فهما كانا مُتمسّكين بذكرى والدتي... وما فعلَه والدنا بنا. فالكبير بينهما واسمه وائل، ملأ رأس جواد، أخي الصغير، بالحقد والامتعاض، فتألّما تارةً بالصمت وتارةً أخرى بالتصرّف بطريقة عدائيّة مع باقي أولاد المَيتَم وبالتحدّي مع القيّمين والأساتذة، الأمر الذي جلَبَ لهما العقاب والامتعاض. تمّ اختيار عائلة لتتبنّاني بسرعة، لأنّني بِنت وذات طبع هادئ ومُطيع، لكن بالنسبة لوائل وجواد، فقد كان الأمر أصعَب بكثير. لكن في آخِر المطاف، وُجِدَ للصغير عائلة وبقيَ الكبير لوحده في المؤسّسة. حزنتُ لفراقي عنهم، لكنّ معاملة أهل بيتي الجديد الحسنة كانت كافية لتمرّ أيّامي بسلام. نَسِيَ جواد أمرنا بسبب صغر سنّه، فتفكّكَت عائلتنا نهائيًّا.
كبِرتُ مع الوقت، ولَم أنتبِه للسنوات التي مرَّت. ومع أنّني بقيتُ على تواصُل مُتقطِّع مع أخوَيّ، وهذا ما أرادَه أبواي الجديدان، فلَم أعُد أشعرُ بأيّ رابط بيني وبين وائل وجواد. أمّا بالنسبة لأخي الأصغَر الذي اصطحبَه أبونا معه، فغابَ عن بالي بصورة تامّة. ثمّ لَم أعُد أعلَم شيئًا عن أخوَيّ، فهما لَم يكونا جزءًا مِن عالمي الجديد والجميل.
في تلك الأثناء، كان وائل قد هرَبَ مِن المَيتَم مع رفيق له، وذهبا إلى بيت أحَد أقارب هذا الأخير حيث مكَثا هناك لفترة مِن الزمَن. بحَثَ المسؤولون عن المَيتم عنهما، ثمّ استسلموا وقد ارتاحوا منهما ومِن مُشاغباتهما ومِن الصّرف على طعامهما وملابسهما. كان وائل قد بلَغَ السادسة عشرة مِن عمره، فوجَدَ عمَلًا لدى أحَد المحلّيّين في البلدة الذي يعمَل كَميكانيكيّ، وتعلَّمَ منه المهنة بعد عناء شديد واستطاعَ تأمين حياة شِبه عاديّة لنفسه. أمّا بالنسبة لرفيقه، فذهَبَ ذلك الشاب إلى ما وراء حدود البلَد ولَم يسمَع منه أحَد بعد ذلك. بقيَ وائل لوحده يُصارعُ حياة صعبة، وصارَ شابًّا قويّ البنية يكنّ حقدًا كبيرًا للبشريّة أجمَع. لكنّه أحبَّ شخصًا واحدًا في هذه الدنيا، وهو ذلك الميكانيكيّ الذي اعتبرَه بديلًا لأبيه، بديلًا مُزيّفًا لأنّ الأب الأصليّ كان في مكان ما في العالَم، يعيشُ بهناء مع أخيه الصغير وربّما زوجة وأولاد آخَرين.
وجَدَ وائل نفسه وراء القضبان، بعد أن تشاجَرَ مع أحَد الرجال في البلدة وتسبَّبَ له بالأذى الجسديّ، لكنّه لَم يهدأ، بل ازدادَ غضبًا وعُنفًا. وبعد خروجه مِن السجن، لَم يستقبِله الميكانيكيّ مُجدّدًا، بل طرَدَه مِن العمل، الأمر الذي سبَّبَ لوائل صدمة كبيرة، إذ أنّه خالَ نفسه بمثابة ابنه، إلّا أنّه وجَدَ نفسه مخذولًا مِن أهمّ رجُلَين في حياته. مسكين وائل!
بعد ذلك، صارَ أخي ينتقِل مِن مكان لآخَر ويعمَل عند ذلك وذاك، مِن دون أن يجِد الراحة أو الاستقرار في أيّ مكان. مرَّت السنوات على هذا النحو، وكنتُ قد صِرتُ صبيّة حسناء وسعيدة، وتلميذة جامعيّة فالِحة... وحبيبة لِشاب وسيم ومُنحدِر مِن عائلة مُحترمة ومُقتدِرة. كانت الحياة تبتسمُ لي مِن كلّ الجوانب، لكن في داخلي بقيتُ أشعرُ وكأنّني غريبة وسط عائلتي وأصدقائي ومعارفي. كنتُ أحسّ بحنين دائم لحالة لَم أكن أفهمُها، وكأنّ هناك شيئًا في داخلي يُناديني إلى مكان وزمان آخَر. لا أتوقَّع أن تفهموا ذلك الشعور الذي يصعَب وصفه، لأنّ القلائل منكم خاضوا تجربتي.
ولأنّ بعض الأمور محتّم لها أن تحدُث، وجدَني وائل وبالصّدفة التامّة... أو لأنّ القدَر أرادَ ذلك.
فمِن كلّ محلّات تصليح السيّارات في بلَدنا الواسِع، إختارَ أخي كراجًا موجودًا في منطقتنا للعمَل فيه. وصدَفَ أن تعطّلَت سيّارة خطيبي وأنا برفقته، فوصَلنا بالكاد إلى محلّ التصليح المذكور. تعرَّفَ وائل إليّ بلحظة، مع أنّه لَم يرَني مذ كنتُ صغيرة، والذي ساعَدَه على التأكّد مِن هويّتي هو سماع خطيبي يُناديني بإسمي: "ريما". أمّا مِن جانبي، فلَم أتصوَّر أبدًا أنّ ذلك الذي يعمَل على تصليح السيّارة هو نفسه الذي أُشارِكه الأب والأم والدّم والذكريات، بل كان بالنسبة لي ميكانيكيًّا كغيره. صحيح أنّني لاحظتُ كيف كان ينظُر إليّ، لكنّني ظننتُه مُعجبًا بي فأدَرتُ وجهي عنه لِباقي الوقت.
إتّضَحَ أنّه يلزم بعض الوقت لتصليح السيّارة، فاقترَحَ خطيبي أن يطلبَ لي سيّارة أجرة لأعود إلى البيت، وهذا ما حصَل. أمّا هو، فبقيَ في الكراج بانتظار أن تجهز سيّارته. وبعد بضع ساعات، إنتهى العمَل على المركبة وعادَ إلى بيته.
لكنّ وائل لحِقَ به بسيّارته الخاصّة، وبدأ بمُراقبته ليعرف أين أعيش ومع مَن وفي أيّة ظروف. وكَم كانت مُفاجأته كبيرة عندما لحِقَ بخطيبي إلى بيتي وأهلي، ووجَدَ أنّ حظّي في الحياة كان أفضل بألف مرّة مِن حظّه، فأغضبَه ذلك لدرجة لا توصَف، وبدأَت تدورُ في باله أفكارٌ سوداء، لأنّني كنتُ وللأسف، الإنسانة الوحيدة التي بإمكانه الانتقام منها وتحميلها كلّ ما جرى له. كيف لأخ أن يُفكّر في أذيّة أخته؟ للحقيقة، لَم أعُد أخته منذ زمَن، بل إنسانة لا يربطه بها شيء سوى الغضب والانتقام.
تابَعَ وائل مُراقبته لخطيبي ولي ولأهلي وصديقاتي لفترة زمنيّة، إلى حين صارَ يعرفُ كلّ شيء عن تحرّكاتنا وعاداتنا اليوميّة والأسبوعيّة، وتعلّمَ كيف يكرَه "تلك الفتاة التافِهة التي حصلَت على كلّ شيء". في تلك الأثناء كنتُ مشغولة بالتحضيرات لِفرَحي، وأحلمُ بذلك اليوم المُبارَك وبفستاني الأبيض. لَم أنتبِه طبعًا إلى السيّارة التي كانت تلحَق بي في كلّ مكان، فمَن يخطُر بباله أنّه مُراقَب وهو لَم يقترِف أيّ خطأ أو يُؤذِ أحَدًا في حياته؟
وذات يوم، حين كنتُ عائدة مَشيًا على الأقدام مِن منزل صديقتي المُقرّبة، أوقفَ وائل سيّارته بجانبي، وقال لي بعد أن أنزَلَ شبّاك المركبة:
ـ آنستي، آنستي! أتتذكرّيني؟ أنا الميكانيكيّ!
ـ أجل، أجل. ماذا تُريد؟
ـ بعثَني إليكِ خطيبكِ بعد أن قالَ لي إنّني سأجدُكِ في منزلكِ. لكنّ والدتُكِ قالَت لي إنّكِ رحتِ تزورين صديقتكِ، فأتَيتُ إلى هنا.
ـ ما الأمر؟؟؟ هل مِن خطب؟
ـ لا تخافي، لكن فقط أريد أخذكِ إلى خطيبكِ التي تعطّلَت سيّارته مُجدّدًا. إنّه موجود في كراجنا ويُريدُ إعطاءكِ غرَضًا مُهمًّا لتوصيله إلى أهله. هيّا اصعدي، لا تخافي منّي، فكيف لي أن أعلَم مكانكِ لو لَم يكن كلامي صحيحًا؟
عندها فعلتُ ما لا يجِب على أيّ إنسان فعله، وهو الصعود في السيّارة مِن دون أن أتأكّد مِن كلام الرجُل. فكان بإمكاني الوصول إلى بيتي الذي كان يبعدُ مسافة قريبة، لكنّني كنتُ أحبُّ خطيبي كثيرًا ولا أرفضُ له طلبًا. قادَ بي وائل إلى مكان مجهول، فطلبتُ منه أن يوقِف السيّارة ويُنزلني حين أدركتُ أنّنا لسنا ذاهبين إلى الكراج. لكنّه كان صامِتًا ويقودُ بسرعة جنونيّة، فاستحالَ عليّ فتح الباب ورمي نفسي خارجًا. بدأتُ بالصراخ والبكاء والتوسّل، إلّا أنّني لَم أتلقَّ أيّ ردّة فعل مِن السائق. بدأتُ أُناجي ربّي طالبةً منه النجدة أو الموت، إلى أن وصَلنا إلى منطقة معزولة يتوسّطها منزل قديم ومهجور. عندها قال لي وائل:
ـ ترجّلي! ترجّلي وإلّا أجبرتُكِ على ذلك!
نزلتُ مِن السيّارة ودخلتُ معه البيت...
يتبع...