عروس فاجرة (الجزء الثاني)

عادَت واختفَت أخبار سالِم، الأمر الذي أقلقَني، فذلك كان يعني أنّ شيئًا ما سيحدُث، ففي المرّة السابقة هاجَرَ ابن عمّي وعائلته فجأة. ماذا كان سيجري هذه المرّة؟

بعثتُ له رسائل عديدة على هاتفه، بعد أن فهمتُ أنّه لا يُريدُ الإجابة على اتّصالاتي. وفي إحدى المرّات، هو بعَثَ لي: "أنا بخير، أنا فقط بحاجة لحلّ مُشكلة تالين، فالأمور تكاد تخرجُ عن السيطرة. كَم أنا نادِم على الزواج منها! لكن لا رجوع إلى الوراء، بل عليّ إنهاء عذابي بطريقة أو بأخرى". للحقيقة انشغَلَ بالي أكثر مِن الأوّل بعد قراءة ما كتبَه، وخفتُ حقًّا أن يقتل سالِم نفسه، ألَم يقُل "بطريقة أو بأخرى؟". لكنّني لَم أفكِّر أبدًا بالطريقة التي عناها فعلاً.

ويوم علِمتُ أنّ ابن عمّي العزيز محجوزٌ لدى الشرطة، أمسكَني ألَمٌ في المعدة، وأسرعَتُ بالاتّصال بزوجي ليرى ما حدَث. إنتظرتُ بفارغ الصبر الجواب، لكن في قرارة نفسي خشيتُ الأعظَم. ثمّ عُدتُ وقلتُ لنفسي إنّ ابن عمّي هو أكثر إنسان مُسالِم عرفتُه في حياتي ويستحيل أن يؤذي ولو نَملة!

ترَكَ زوجي مكتبه وعادَ إلى المنزل وعلى وجهه علامات الحزن والهمّ. إقترَبتُ منه ببطء ووقفتُ أمامه سائلة:

 

ـ ما الأمر؟ لماذا سالِم محجوز؟

 

ـ تعالي نجلس.

 

ـ لا! بل قُل لي الآن!

 

ـ حسنًا... تالين في المشفى بعد أن...

 

ـ أكمِل!

 

ـ بعد أن حاوَلَ سالِم قتلها.

 

ـ أنتَ تكذِب!

 

ـ لستُ مَن قال ذلك بل الشرطة، فلقد مرَرتُ بالقسم وسألتُ عمّا جرى.

 

ـ إنّهم يكذبون! سالِم لا يفعل أمورًا كهذه! إنّها هي! تالين كذبَت على الشرطة!

 

ـ تالين غارِقة في غَيبوبة، ومِن الأفضل لسالِم أن تصحو زوجته وإلا واجَهَ تهمة القتل.

 

ـ أريدُ أن أراه!

 

ـ عليه الآن رؤية مُحام كفؤ... سأهتمّ بالأمر بالنيابة عنه. إهدَئي الآن ودعينا نرى ما حصَل بالتفاصيل وكيف يمكنُنا إنقاذه. سأتّصل بصديقي المُحامي.

 

إنهَرتُ كلّيًّا، كيف لحياة سالِم الهادئة والجميلة أن تنقلِب فجأة إلى مأساة رهيبة؟ وكيف لإنسان خلوق وهادئ أن يتحوّل إلى قاتِل؟!؟ تبًّا لكِ يا تالين! فهي حتمًا دفعَته للإجرام بسبب قلّة أخلاقها وشخصيّتها المُستفِزّة. صلَيّتُ أن تستفيقَ تلك المرأة، ليس مِن أجلها بل مِن أجل ابن عمّي العزيز، ولِيَفهمَ القاضي ما حمَلَه لارتكاب تلك الجريمة الفظيعة.

الأيّام التي تلَت كانت صعبة عليّ كثيرًا، فأخي كان مسجونًا في مكان لا يليقُ به على الإطلاق. وبدأَت تفاصيل ما حصَلَ تظهرُ تباعًا مع كلّ اجتماع قامَ به المُحامي مع سالِم ومِن ثمّ زوجي الذي كان يعودُ إليّ بالأخبار:

 

ـ حبيبتي، الذي عرفتُه حتّى الآن هو أنّ سالِم طَعَنَ تالين بسكّين حادّ في تلك الليلة، بعد أن قضى أشهرًا طويلة يتحمّل فجور زوجته. فهي إضافة إلى معاملتها السيّئة، إستعادَت علاقتها مع الرجل نفسه الموجود في الغربة. فبالرغم مِن أنّها وعدَت زوجها بأنّها ستقطع الاتّصال به، وبالرغم مِن عودتهم إلى البلَد، هي بقيَت على تواصل مع عشيقها عبر الإنترنت. لكن ما هو أفظَع مِن ذلك، أنّها كانت تُخطّط للذهاب إليه سرًّا... مع ابنها! ولقد كشَف سالِم المُخطّط كلّه بعد أن وجَدَ المُحادثات، فغضِبَ طبعًا. لكنّه حاوَلَ تغيير رأيها، ليس مِن حيث بقائها معه بل فقط لإقناعها بتَرك ابنهما معه. إلا أنّها بدأَت تشتمه وتصرخ به وتوجّه له ألفاظًا رهيبة ومُهينة، مهدّدة بتحطيمه مِن خلال أخذ ابنه منه. فهي كانت تعلَم أنّ ذلك الولَد هو أعزّ إنسان على قلبه. ولكنّ الحديث انقلَبَ إلى مواجهة خطيرة، عندما شهَرَت تالين عليه سكّينًا كبيرًا وبدأَت تجرح به يدَيه وذراعَيه ورقبته. لأوّل وهلة، لَم يستوعِب ابن عمّكِ ما يحصل، فهما كانا في المطبخ يتشاجران حين هي فتحَت درج الخزانة فجأة وأخرَجت منه السكّين. وحين فهِمَ أنّ حياته في خطر كبير وسمِعَها تصرخُ فيه: "سأذبحُكَ كالخنزير!"، ونظَرَ إلى عَينَيها ورأى فيهما الشرّ والإجرام، أخَذَ هو الآخَر سكّينًا مِن الدرج نفسه الذي بقيَ مفتوحًا واستعملَه لحماية نفسه. يقولُ سالِم إنّها كانت كالهّرة المُفترِسة وإنّ قوّتها وازَت قوّة ثلاثة رجال لكثرة غضبها، فاضطّرَ إلى الدفاع عن نفسه بردّ الطعنات. إلا أنّه طعنَها مرّة واحدة في مكان حسّاس يوجد فيه شريان رئيسيّ، فبدأ الدم يتدفَّق مِن الجرح بغزارة. عندها إتّصَلَ سالِم بالإسعاف وبالشرطة وعِملَ جهده لإيقاف النزيف.

 

ـ يا إلهي... يعني أنّ الأمر كان دفاعًا عن النفس!

 

ـ أجل، لكنّ الشرطة لا تزال تجمعُ الإثباتات على ذلك، فعلينا أن نصبُر.

 

ـ وماذا لو ظلَموه؟!؟

 

ـ المُحامي هو الآخَر يجمعُ الإثبات ولدَيه شهود على سوء مُعاملة تالين لزوجها وفجورها. والبعض رآها تصفَعه.

 

ـ نحن أيضًا رأيناها تصفَعه! نستطيع الشهادة بذلك!

 

ـ أجل، لكنّ المُحامي يُفضّل شهودًا غير مُقرّبين مِن سالِم.

 

ـ أجل، يكون ذلك أفضَل.

 

الفترة التي تلَت كانت صعبة للغاية، إذ سادَ صمتٌ طويل في ما يتعلّق بمُستجدّات القضيّة، وخفتُ أن يكون المُحامي وفريق عمَله يواجهون حائطًا مسدودًا. أمّا في ما يتعلّق بتالين، فهي بقيَت غارِقة في الغيبوبة، الأمر الذي لَم يكن ينذِرُ بالخير. وضِعَ ابن سالِم عند أهل تالين، فتعذَّرَ عليّ رؤيته لأنّني ابنة عمّ الذي حاوَلَ قتل ابنتهم. فحتّى لو هم يعرفون طبيعة مزاج تالين، فلن يُصدّقوا أنّ صهرهم دافَعَ عن نفسه، بل اعتقدوا أنّه عمَدَ على قتلها وحسب. إلا أنّهم اعترفوا للشرطة أنّهم كانوا على علِم بمُخطّط تالين للهرب مع الولَد إلى عشيقها، وذلك التفصيل كان دليلاً على عَزم سالِم على إيقافها بشتّى الطرق حتّى لو كان ذلك بالقتل.

حاوَلَ مُحامي سالِم إخراجه مِن السجن بكفالة إلى حين تُقرَّر جلسة المُحاكمة، إلا أنّ القاضي رفَضَ ذلك لفظاعة ما حصَلَ، ولكَون تالين لا تزال بين الحياة والموت. إضافة إلى ذلك، كان بإمكان ابن عمّي الهرب إلى الخارج حيث كان يعيشُ، والفرار بشكل دائم مِن عقابه لو اتّضَحَ أنّه مُذنِب، فالجدير بالذكر أنّه ليس هناك مِن اتّفاق ترحيل بين بلَدنا والبلَد الآخَر.

ويوم أذنوا لنا بزيارة ابن عمّي كنتُ كالمجنونة، فمِن جهة انتابَني فرَح كبير، لكن مِن جهة أخرى خشيتُ أن أرى سالِم مسجونًا. فالفكرة كانت تستفزّني إلى أقصى درجة، لكنّ شوقي له وخوفي على مصيره كانا أقوى مِن كلّ شيء.

تفاجأتُ بنحول سالِم، فكان مِن الواضح أنّه يُعاني مِن الحجز ليس فقط جسديًّا بل أيضًا نفسيًّا، فهو كان لا يعرفُ ما سيحلّ به وإن كان سيرى ابنه مُجدّدًا. وما كان يخشاه الأكثر، أنّ ذلك الولَد قد يكبر وفي رأسه فكرة واحدة: أنّ أباه قاتل. أسِفتُ أنّ إنسانًا كابن عمّي قد يخسر مُستقبله وحياته بسبب سوء اختيار قامَ به يوم قرّر الزواج مِن تالين. يا لَيته استطاعَ التخلّص مِن سيطرتها عليه قَبل وقوع المُصيبة! أو يا لَيته تركَها عندما علِم بعلاقتها الغراميّة في الغربة! لكن مَن يربى في عائلة مؤمِنة ومُسالِمة، يؤمِن بإعطاء فرصة ثانية للناس لأنّه يظنّ أنّهم مثله، وقد ارتكبوا يومًا خطأ لا يمتُّ بصلة لشخصيّتهم وليس نمَطًا سيتكرّر. شكرَني سالِم على زيارتي له وعلى كلّ الذي فعلتُه مِن أجله، واعتذَرَ منّي بحرارة لابتعاده عني وتصديق زوجته. وبالطبع سامحتُه!

بعد ذلك، تطوّرَت الأمور بسرعة، فلقد خرَجَت تالين مِن غَيبوبتها أخيرًا وبدأَت حالتها بالتحسّن. وخلال تلك الفترة كان المُحامي قد استعانَ بخبراء أكّدوا أنّ جروح سالِم تُثبتُ أنّه حاوَلَ صدّ هجوم زوجته عليه بذراعَيه ويدَيه. فلو هو صمَّم على قتل تالين، لكان طعَنها مُباشرةً ولكانت هي تحملُ أثارَ جروح دفاعيّة. وكان ذلك الدليل بالفعل قاطِعًا، إذ أنّ المُحامي قصَدَ المشفى وأطلَعَ تالين على ما كان سيُثبته في المحكمة، وكيف لدَيه شهود كثيرون على إساءاتها المُتكّرِرة لزوجها المعنويّة والجسديّة. إضافة إلى ذلك، هو قال لها إنّه سيرفعُ ضدّها قضيّة مُحاولة قتل بحقّ سالِم ولوّحَ لها بالذي ينتظرُها. خافَت تالين وأهلها كثيرًا، فعرضوا عليه التنازل عن كلّ شيء بما فيه الولَد. بقيَ عليهم دفع تعويض لسالِم والتنازل له عن ابنه رسميًّا. مِن جانبه، تنازَلَ ابن عمّي عن الدعوى ضدّ تالين التي لَم تُعاقَب بعد أن زعمَت أنّها كانت تتناول أقراصًا لمشاكل عصيبّة أثّرت على حكمها وتصرّفاتها.

أخذَت تلك الأمور بعض الوقت، لكن سالِم خرَجَ أخيرًا مِن السجن واستعادَ ابنه. عانقتُه بقوّة وبكينا كثيرًا، لكنّها كانت دموع فرَح وأمَل، فلقد حظيَ ابن عمّي بفرصة لاستعادة حياته وإكمالها كما هو يُريدُها، وليس كما كان مفروضًا عليه مِن قِبَل امرأة شرّيرة وأنانيّة. ويوم أخَذَ ابن عمَي مسكنًا بالقرب منّي، شعرتُ أنّ الأمور عادَت إلى مسارها وإلى ما خطّطناه منذ سنوات. فلَن يفصِلَ أحدٌ بيننا بعد ذلك!

كبرَ ابن سالِم معنا، وشعرتُ وزوجي أنّ الله أعطانا الولَد الذي لَم نستطِع إنجابه. أمّا بالنسبة لأمّه، فهي سافرَت إلى عشيقها بعد أن سدّدَت ديونها للمحكمة وسالِم، وهي لَم تسأل عن ابنها إلا في الفترة الأولى. وعلِمنا أنّ ذلك العشيق هو رجُل مُتزوّج، وأنّه بالرغم مِن وعوده لها لَم يُطلِّق زوجته بل بقيَت تالين عشيقته السرّيّة، إلى حين ملَّ منها وتركَها. بعد ذلك، سكنَت مع رجُل آخَر مِن دون زواج وهو أيضًا تركَها... حامِلاً بولَده! لذلك هي لَم تستطِع العودة إلى البلَد، بل بقيَت في الغربة تربّي ابنها لوحدها وتعمَل ليلاً نهارًا لتحصيل المال. بعد ذلك لَم نعرِف عنها شيئًا.

صحيح أنّنا لا نستطيع معرفة أيّ إنسان بشكل تام أو التنبّؤ بتصرّفاته، لكنّنا قادرون على وضع حدّ لعلاقتنا به حتّى لو ذلك سيُسبّب لنا الحزن أو التعاسة. فهناك قرارات موجِعة لكن ضروريّة إن أرَدنا الحفاظ على حياتنا وكرامتنا ومُستقبلنا.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button