ضحيّة دائمة

كبرتُ والخوف في قلبي، خوف مِن أمّ طاغية عمِلَت جهدها لبسط سيطرتها على العائلة بحجّة أنّ ليس هناك مِن رجُل قادِر على الإمساك بزمام الأمور، مع أنّ أبي كان حيًّا يُرزَق ويعيشُ معنا. إلّا أنّها سحَقَت رجوليّته منذ بدء زواجهما، وهو، باسم الحبّ والاحترام سمَحَ لها بفعل ما تشاء. لكن سرعان ما إنقلبَت عليه وحطّمَته ولَم يعُد قادِرًا على التراجع. وهكذا، هو قضى سنواته مُتفِرّجًا على ما كانت تفعله زوجته بي وبأختي. فكان الصراخ، والشتائم والضرب، وخجِلتُ مِن نفسي لأنّني لَم أكن قادِرًا على الدفاع عن أختي كَوني أخاها الأكبر. وسنة بعد سنة، بتُّ أخافُ مِن تلك المرأة المعدومة الرحمة، ويرجفُ قلبي كلّما نادَت اسمي، فغالبًا ما كان يعني ذلك أنّني سأُعاقَب، حتّى لو لَم أفعل شيئًا.

تزوّجَت أختي بسرعة لتهربَ مِن البيت، فحسدتُها على فرارها هذا، فكنتُ سجينًا داخل عائلتي وجدران ذلك البيت الذي شهِدَ على بكائي وأنا صغير. زواج أختي المُبكِر أغضبَ أمّها لأنّها لَم تعُد قادِرة على التمكّن منها، لِذا هي صبَّت كلّ طاقتها عليّ، مع أنّني كنتُ قد صِرتُ شابًّا جامعيًّا وقويّ البنية. إلّا أنّ أمامها، كنتُ أعودُ هزيلًا وضعيفًا كما في صِغَري.

وتلك الحياة البائسة بانَت نتائجها في نوعيّة حياتي الاجتماعيّة، إذ أنّني كنتُ دائمًا وحيدًا، لا أصدقاء لي، ولا أحَد أضحكُ وأفرحُ معه. إحتقَرتُ نفسي، واحتقَرتُ أبي، وطبعًا التي عمِلَت على تدميرنا جميعًا. لكن ما النفع مِن تلك المشاعِر إن هي لَم تدفَعني للرحيل كما فعلَت أختي؟ فعليكم أن تُدركوا أنّ أمّي وضعَت في قلبي منذ نعومة أظافري خوفًا عميقًا، ليس فقط منها، بل أيضًا مِن إغضابها، أو إزعالها، أو التخلّي عنها مهما فعلَت. وأيّ طبيب نفسيّ سيقولُ لكم كَم أنّ ذلك التكييف هو قويّ للغاية ويدومُ أحيانًا مدى الحياة.

أنهَيتُ جامعتي وبدأتُ بالعمَل، ثمّ ماتَ أبي في نومه وحسدتُه لأنّه فرَّ هو الآخَر وبصورة دائمة. لَم تذرِف أمّي دمعة واحدة على زوجها، بل نعتَته بالجبان لأنّه ماتَ ميتة هادئة وسهلة… وما هو أهمّ، إستطاعَ الهروب منها مِن دون عودة.

ثمّ أتيحَت لي فرصة للعمَل في الخارج، لكنّ أمّي مانعَت بقوّة صارِخة: "ماذا؟؟؟ تنوي تركي لوحدي والسفَر؟؟؟ أيّ ابن أنتَ؟ ماذا لو حدثَ لي مكروه؟ مَن سيعلَم بحالتي؟ أتريدُني أن أموتَ مِن دون أن يُدركَ أحَد بي؟ حسبي الله!".

رفضتُ طبعًا عرض العمَل وبقيتُ معها، فكيف أجتاز عقدة الذنب التي اختلقَتها لي؟

مرَّت السنوات وتعرّفتُ على صبيّة أحبَبتُها، لكن عندما أخبرتُ والِدتي بأنّني أنوي الزواج منها، كانت ردّة فعلها عنيفة: "إن جلبتَها إلى هنا، فسأمسكُها بشعرها وأجرُّها خارج البيت!". علِمتُ طبعًا أنّها قادِرة على تنفيذ تهديدها، ألَم تُعنِّفني وأختي عندما كنّا صغيرَين؟ فكّرتُ طبعًا بالانتقال للعَيش لوحدي بعد أن أتزوّج، لكن هل كنتُ قادِرًا على حرمان أمّي منّي ومِن أحفادها المُستقبليّين؟ وماذا عن زوجتي؟ ماذا أقولُ لها ولأهلها عن موقفها مِن ذلك الزواج؟ فسختُ علاقتي بحبيبتي بعد أن قلتُ لها بكلّ صراحة: "لستُ الرجُل المُناسِب لكِ، في الواقع، يبدو أنّني لستُ رجُلًا على الإطلاق. إذهبي وفتِّشي عمَّن يستطيع مُساندتكِ وحمايتكِ".

بكيتُ لوحدي في غرفتي بعد العودة مِن ذلك الموعِد المؤلِم، ثمّ قرّرتُ مُتابعة حياتي كما بدأتُها، أي بإطاعة تلك الطاغية وعدَم مُناقشتها، فذلك كان الأفضل لكلَينا.

إلّا أنّ حدَثًا غير متوقَّع غيَّرَ المعطيات كلّها، وهو أنّ... أمّي وجدَت عريسًا!

لَم أشكَّ أبدًا بأنّها تنوي ربط حياتها برجُل بعد أن قضَت حياتها تشتم بزوجها وبصنف الرجال عامّةً، لكنّها غيّرَت رأيها على ما يبدو بعدما تعرّفَت على الذي اسمه طارق عند أصدقاء مُشتركين، ووجدتُه لطيفًا. للحقيقة، شعرتُ بالأسى حيال العريس، فهو لَم يكن يعلَم بعد ما ينتظرُه مع أمّي.

عندها خطرَت ببالي فكرة عظيمة!

فقصدتُ والِدتي في غرفتها ذات مساء وقلتُ لها:

ـ مبروك لكِ يا ماما، لكن...

 

ـ لكن ماذا؟؟؟

 

ـ لستُ أدري إن كان عليّ إنذار طارق.

 

ـ إنذاره؟ ماذا تقصد؟

 

ـ فهو يجهل ما عانى منه أبي معكِ... وقد يفرُّ منكِ العريس إن وصلَته تلك المعلومات.

 

ـ أمنعُكَ مِن...

 

ـ تمنَعيني؟ مثلما منَعتِني مِن الزواج؟ لن يعودَ ينفَع تهديدكِ بعد أن تركتُ حبيبتي. أظنُّ أنّه مِن المُستحسن أن أُنبِّه عريسكِ منكِ، فضميري لن يسمح لي بالبقاء صامِتًا.

 

ـ ماذا تُريد مُقابل صمتكَ؟

 

ـ أريدُكِ أن تبارِكي زواجي... فلا أزال على اتّصال مع حبيبتي... ستُرافقيني لطلَب يَدِها للزواج، وستكونين حاضِرة في الزفاف وعلى وجهكِ علامات السرور التام. بعد ذلك، ستزورينني في الشقّة التي سأسكنُ فيها مع زوجتي الحبيبة وتكوني لطيفة معها.

 

ـ ما هذه الشجاعة المُفاجئة؟ فلا طالما كنتَ جبانًا كأبيكَ!

 

ـ لن أكون مثل أبي بعد الآن، أعدُكِ بذلك، وإن كنتِ لا تُصدّقيني، فسأُثبتُ لكِ ذلك بإخبار طارق كلّ شيء عنكِ.

 

ـ لا! لا تفعل، حسنًا... أنا موافِقة.

 

إبتسَمتُ لهذا الانتصار الذي طالَ قدومه، وشكرتُ ربّي أنّه أَرسَلَ لنا طارق. شيء آخَر أعطاني الشجاعة لمواجهة والِدتي، وهو الحبّ، فلَم أعُد وحيدًا في حياتي وفكري، ولَم أعُد أشعرُ بأنّني ضحيّة لا محالة منها.

فعَلَت والدتي كلّ ما طلبتُه منها، وانتهى بي المطاف مُتزوِّجًا وأسكنُ مع عروستي في شقّة بعيدة كلّ البُعد عن أمّي. لكنّ ذلك لَم يكن كافِيًا، فبعد فترة، عدتُ عن قراري بشأن السفَر، وقبِلتُ بالعرض وحضّرتُ نفسي للهروب بصورة دائمة، ومِن دون عودة.

لكن قَبل رحيلي، كان عليّ أن أفعَل ما يُرضي ضميري، وهو تحذير طارق مِن أمّي. فأعطَيتُ الرجُل موعدًا في مقهى وأطلعتُه على شخصيّة أمّي الحقيقيّة:

ـ طارق... عليكَ أن تعلم ما ينتظرُكَ مع أمّي.

 

ـ ماذا تعني؟

 

ـ إنّها... هي ليست كما تبدو لكَ... للحقيقة، إنّها طاغية وأنانيّة، ولقد حوّلَت حياتنا كلّنا إلى جحيم يوميّ.

 

ـ ولماذا تقولُ ذلك لي؟

 

ـ لإراحة ضميري... فلو علِمَ أبي بحقيقة تلك الإنسانة وماذا ينتظرُه، لَما تزوّجَها أبدًا، صدّقني.

 

ـ أشكرُكَ على خوفكَ عليّ، لكنّني لستُ كأبيكَ... لا أقصدُ الإهانة، لكن الرجال أصناف، ولستُ مِن الصنف الذي يقبَل بالإهانة، صدّقني.

 

ـ هل تُحبُّها حقًّا؟ ماذا تجِدُ فيها؟

 

ـ أجل أحبُّها حقًّا، هي تُمثِّل بالنسبة لي المرأة التي أبحثُ عنها بعد موت زوجتي.

 

ـ لكنّها ليست كما تبدو لكَ، والمرأة التي أحبَبتها ليست موجودة.

 

ـ ستكون موجودة، فأعرفُ كيف أتعامَل معها. سترى.

 

ـ مهمّتي انتهَت، سأُسافِر بعد أيّام مع زوجتي، ولن أعودَ. لكن لو احتجتَ لي...

 

ـ لن أحتاج لأحَد.

 

غادَرتُ وزوجتي البلَد سرًّا، ثمّ اتّصلتُ بوالِدتي لأخبرها أنّني لَم أعُد موجودًا في أيّ مكان تستطيع الوصول إليّ فيه. غضِبَت منّي كثيرًا وبدأت تشتمُني، لكنّني أقفَلتُ الخط بوجهها وحظرتُها.

مرَّت الأشهر وعلِمتُ أنّها تزوّجَت، وخفتُ كثيرًا على طارق الذي لَم يأخذ بنصيحتي. لكن كَم تفاجأتُ حين هو اتّصَلَ بي وأعطى الهاتف لأمّي التي دعَت لي بالتوفيق بزواجي وعمَلي الجديد. كان صوتها ناعِمًا لدرجة لَم أتعرَّف عليه في البدء لأنّني لَم أسمَعه يومًا. ومنذ ذلك اليوم، هي تُخابِرُني مرّتَين في الشهر لتسأل عن أحوالي، وخاصّة أحوال زوجتي بعد أنّ علِمَت أنّها حامِل. وأعربَت أمّي عن فرَحها الكبير بأن تصبَح جدّة. للحقيقة، لَم أُصدِّق تمثيليّتها هذه، لكن بعد ولادة ابننا ومِن بعده ابنتنا، أدركتُ أنّ والدتي بالفعل هدأت بشكل ملحوظ.

إلّا أنّ ذلك التغيّر لَم يحمِلني على العودة، أو حتّى الزيارة، فكيف أثِقُ بالتي سلبَتني ثقتي بنفسي؟ كيف أشعرُ بالأمان مع التي زرعَت الخوف في قلبي منذ ولادتي؟

عادَت علاقتي مع أختي إلى ما كانت عليه قَبل زواجها، وهي الأخرى لا تُصدِّق أنّ أمّنا صارَت لطيفة ومُحِبّة. لكنّ زوجها سعيدٌ معها وعرِفَ كيف يروِّضها، وهذا ما يهمّ. أمّا بالنسبة لي، فأُريدُ أن أضَع ورائي وبصورة دائمة الذُلّ والشتائم والشعور بالخوف الدائم، ووحدها عائلتي الصغيرة قادِرة على ذلك.

رحمكَ الله يا أبي، لو كنتَ مثل طارق لجنّبتَنا مآسٍ عديدة! لكنّني لا أُريدُ أن أحكُم عليه، لأنّني كدتُ أن أصبح ضحيّة دائمة أنا الآخَر.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button