شيء لا يصدق!

لَم يكن أبي رجُلاً صالحًا بل العكس. فإضافة إلى طغيانه تجاهي وأمّي، هو فعَلَ ما لا يجب فعله بأخيه إذ أنّه سلَبه حصّته بالميراث. ونتيجة لذلك، عاشَ أخوه وأولاده في القلّة والمرَض، ولَم يؤثِّر ذلك أبدًا على ضميره لسبب وجيه: هو لَم يكن يتحلّى بأيّة ذرّة ضمير.

كبرتُ وسط مُناخ مشحون بالصراخ والضرب في البيت، وكُره كلّ الناس لي كَوني إبن أبي، فابتعَدَ عنّي الأصدقائي والأهل والجيران. حمَلَتُ وسمة عار لَم أكن سببها، الأمر الذي أثَّرَ كثيرًا على نفسيّتي. ثمّ ماتَت والدتي، فبقيتُ مع والدي كَوني وحيدًا، فاستفرَدَ بي الطاغية وصبَّ عليّ كرهه وغضبه كلّه.

إضافة إلى كلّ ذلك، لعَنَ عمّي وزوجته وأولادهما أبي، وطلبوا مِن الله الأخذ بثأرهم منه. إلا أنّ العناية الإلهيّة تعمَل بطريقة لا نفهَمها، فلَم يُصِب أبي أيّ مكروه، لا مِن حيث صحّته أو وضعه الماليّ. عندها قرَّرَ أولاد عمّي التصرّف بنفسهم حين يكبرون قليلاً. لَم أنتبِه إلى شيء إذ كان الاتّصال بيني وبينهم مقطوعًا منذ لحظة سَلبهم أبي ميراثهم.

مرَّت السنوات وبقيتُ أُعاني مِن العَيش مع والدي، لكنّني صرتُ شابًّا قويّ الشخصيّة وأعلمُ كيف أقِف بوجهه حين يتمادى كثيرًا. إضافة إلى ذلك، كان والِدي قد أصبَحَ كبيرًا في السنّ وخفّ طغيانه قليلاً. لكنّ أولاد عمّي لَم ينسوا ما حدَثَ لهم، ففي إحدى الأيّام إنتظروني في زقاق مُظلِم وأبرحوني ضربًا. هل كانوا ينوون قتلي أم فقط تلقيني درسًا، لن ندري يومًا. على كلّ الأحوال، لَم يرَ أحَد وجوه أيّ منهم وبقيَ الأمر لغزًا إلى حين تطوّرَت الأحداث لاحقًا. نُقِلتُ إلى المشفى واستنتجَت الشرطة أنّها عمليّة سَلب. تعافَيتُ بعد فترة إلا أنّ أثَر الهجوم بقيَ ظاهرًا عليّ طوال حياتي. فكانت رِجلي قد تعطّلَت بصورة دائمة وصِرتُ معروفًا في البلدة بـ"الأعرَج". وعرجَتي صارَت أيضًا مصدر سخرية لدى أبي الذي كان يهزأ منّي يوميًّا ويقول لي:

 

- أنتَ لستَ فقط فاشِلاً بل أعرَج أيضًا... يا لَيتني أنجَبتُ إبنة بدلاً منكَ، لكانت أكثر رجولة ولصدَّت هجوم هؤلاء اللصوص أفضل منكَ!

 

ووسط ذلك المناخ البشِع، قرَّرتُ أخيرًا الرحيل عن البيت، والابتعاد عن الأجواء السامّة التي تُحيطُ بي. لذلك قصَدتُ العاصِمة وبدأتُ العمَل بنشاط وأمَل في إحدى الشركات.

قد يظنُّ القارئ أنّني وجَدتُ الراحة، وأنّني عشتُ حياة هنيئة بعيدًا عن التنمّر والعنف، لكنّ ذلك لَم يحصَل. فهناك مَن يُواجِه المصائب الواحدة تلوَ الأخرى وكأنّ القدَر يُلاحقه لتدميره. وأنا كنتُ مِن هؤلاء.

مِن ناحية حياتي العمليّة، لاقَيتُ نجاحًا مقبولاً نسبة لعدَم حَملي شهادة جامعيّة، فكنتُ شابًّا ذكيًّا ودؤوبًا وأمينًا. لِذا ترقَّيتُ بسرعة وصِرتُ عنصرًا يؤخَذ برأيه عندما تواجهُ الإدارة المشاكل. وهكذا بدأتُ أجني الكثير مِن المال وضعتُه جانبًا للمُستقبل.

لكنّ حياتي العاطفيّة بقيَت جافّة مع أنّني، بإستثناء عرجَتي، كنتُ أُعَدّ وسيمًا وجذّابًا. إلا أنّني كنتُ أشعرُ بعدَم ثقة بنفسي بسبب تلك العاهة، فلَم أجرؤ على الاقتراب من الصنف اللطيف أو التعاطي معه بل العكس. فلقد اتّخَذتُ موقفًا عدائيًّا مِن الصبايا والنساء، وكأنّني أحمي نفسي مُسبقًا مِن الهزيمة. أبقَيتُ صِلة خفيفة مع أبي عبر الهاتف، فقط لأنّني إبن صالح.

وحصَلَ ما لَم أتوقّعه، فلقد تلقَّيتُ اتّصالاً مِن ردَينة، صبيّة كانت تسكنُ في جوار بلدتنا، وانتقلَت هي الأخرى إلى العاصمة للدرس في الجامعة وسكنَت عند عمّتها. ومفاد ذلك الاتّصال أنّها تعلمُ مَن تهجّمَ عليّ وسبّبَ لي إصابتي الدائمة. إتّفقنا على الالتقاء في أحَد المقاهي، وعلِمتُ مِن ردَينة أنّ أولاد عمّي إجتمعوا وتوافقوا على أذيّتي. حزِنتُ كثيرًا، فما ذنبي بالذي فعلَه أبي فيهم، وشكَرتُ الصبيّة الحسناء كثيرًا. أُعجِبتُ بردَينة بسبب جرأتها على فضح المُعتادين... وبسبب جمالها ودلَعها، لِذلك أبدَيتُ لها عن رغبَتي في زيارة عمّتها .

صرتُ أزورُ ردَينة باستمرار عند عمّتها، وولِدَت بيني وبين الفتاة مودّة واضِحة، لِدرجة أنّ أباها إتّصلَ بي يومًا قائلاً:

 

- إسمَع يا بُنَي... صحيح أنّ ابنتي تعيشُ في المدينة، إلا أنّها أخذَت معها تقاليدنا الحميدة... فالناس بدأَت تتكلّم، ولا يجوزُ المُخاطرة هكذا بسمعة ردَينة. هل لدَيكَ نوايا مُعيّنة تجاهها؟ فمِن الواضِح أنّكَ لا تذهب إليها فقط مِن أجل أختي.

 

عندها أعرَبتُ له عن نيّتي الزواج منها، إن كانت ابنته تُريدُني طبعًا.

قدِمَ أهل ردَينة إلى العاصمة وتمَّت الخطوبة وكنتُ أسعَد الناس على الاطلاق، فلقد نسيتُ تمامًا موضوع أولاد عمّي ولَم أعُد آبَه لهم. على كلّ الأحوال، هم كانوا في البلدة وأنا في المدينة، ولا وصول لي بالسهل إذ كانت شرطة المدينة معروفة بالدوريّات التي تقومُ بها وبمُحاسبة المجرمين بأشدّ العقوبات.

بعد أن اعتذرَ عن حضور الخطوبة، هزِءَ منّي والدي وتعجَّبَ أنّ أهل ردَينة قبِلوا بـ"الأعرَج". لَم أُجِبه إلا أنّ قلبي حزِنَ كثيرًا. لِماذا رحلتِ يا أمّي وتركتِني لوحدي؟!؟

بدأتُ وخطيبتي بالتخطيط لزواجنا، فاشترَيتُ شقّة جميلة وضعتُها باسمها بعدما هي طلبَت منّي ذلك، فبرأيها على الزوج أن يُشعِرَ زوجته بالأمان، فماذا لو حصَلَ أن افترَقنا يومًا لسبب ما؟ فالجدير بالذكر أنّ خطيبتي بقيَت تُبدي تحفّظًا بالنسبة لزواجنا السريع، مع أنّ والدها هو الذي طلَبَ أن تصبحَ علاقتنا رسميّة. ولأُطمئن بالها، فعلتُ كلّ ما هي طلبَت منّي لأنّني بالفعل أحبَبتُها. للحقيقة، كنتُ أُلبّي كلّ طلباتها أيضًا بسبب شعوري بالنقص بسبب عاهَتي، فتلك الصبيّة الجميلة اختارَتني بالذات في حين كان بإمكانها الارتباط بأفضل شاب.

لَم أعرِف حينها ما كان يُحاك لي، ولَم أعرِف أنّ ردَينة لَم تُحبّني يومًا، بل العكس.

كَم مِن شخص تواطأ ضدّي؟ العديد للأسَف، وذلك بسبب ما فعلَه أبي. ويا لَيتهم علِموا كَم عانَيتُ منه أنا الآخَر، وكَم بقيتُ أُعاني مِن تنمّره عليّ وازدرائه لي، فأنا أيضًا كنتُ ضحيّته!

فرَشتُ الشقّة بأفضل الأثاث، فراتبي كان يسمَح لي ذلك، ورحتُ وخطيبتي إلى بائع الزهور ومُتعهِّد الطعام وإلى المطبعة بخصوص الدعوات، ثمّ إلى المُصوّر، إلى حين أصبَحَ كلّ شيء جاهزًا... إلا فستان العروس. فردَينة أرادَت فستانًا خاصًّا بها وليس بالإيجار لتكون مُميّزة عن غيرها. لَم أرَ مانعًا مِن ذلك مع أنّ ثمنه كان باهظًا، وكان بإمكاننا إستثمار ذلك المبلَغ في سفَرنا لقضاء شهر العسل.

أتى أخيرًا يوم عقد القِران... ولَم يأتِ أحَد!!!

وصلَتُ الصالة حيث كان رجُل الدين بإنتظاري فألقيتُ التحيّة عليه وجلستُ بالقرب منه... ومرَّ الوقت ببطء رهيب. عندها خابَرتُ خطيبتي وكلّ أفراد عائلتها مِن دون نتيجة. فهمتُ أنّ شيئًا ما يحصلُ لكنّني لَم أستطِع تحديده، فشعرتُ بدوار حادّ وكادَ أن يُغمى عليّ. عدتُ إلى بيتي مكسورًا بعد أن واساني الشيخ قائلاً:

 

- ربّما ذلك لمصلحتكَ... لا تأسف على شيء أو أحَد يا بنَي.

 

في الأيّام التي تلَت، رحتُ أدقُ باب عمّة ردَينة مِن دون أن يفتَح أحَد لي، فجلستُ في سيّارتي أراقبُ الحَيّ ليتسنّى لي رؤية خطيبتي أو عمّتها لأتكلّم مع احداهنّ. لكنّ المكان بدا لي خاليًا مِن سكّانه، فقرعتُ باب أحَد الجيران مُستفسِرًا، فقيلَ لي إنّ ردَينة وعمّتها رحلَتا خلال الليلة التي سبقَت عقد القِران... وفهمتُ أنّني وقعتُ ضحيّة فخّ ما، لكن لماذا؟!؟

قصَدتُ البلدة على أمَل أن أجِدَ خطيبتي وأهلها هناك، أو أعرِفَ مِن أحَد أقربائهم لِماذا فعلوا ذلك بي، في حين أنّني لَم أُخطئ بحقّهم. نسيتُ أنّ أولاد عمّي هم الذين اعتدوا عليّ سابقًا وقد أكون بخطَر، فالحقيقة أنّ خذلاني مِن قِبَل ردَينة استحوَذَ على بالي وكياني كلّه. دخلتُ بيت أبي بقوّة وعزيمة، فهو كان قد علِمَ بالذي حصَلَ لي بالرغم مِن أنّه تحجّجَ بوعكة صحّيّة كَي لا يحضر عقد القران، وكما أعرفُه، كان سيسخَر منّي. إلا أنّه خافَ مِن نظراتي وبقيَ صامتًا. لكنّه سألَني:

 

- ماذا سيحدث بالشقّة الآن؟ فلقد قلتَ لي إنّكَ كتبتَها بإسمها.

 

لَم أجِب، فما كان يهمّني أوّلاً كان معرفة سبَب تراجع خطيبتي عن زواجي، وكنتُ شِبه مُتأكِّد مِن أنّ المسألة كانت سوء تفاهم سيُحَلّ بسرعة وأستعيدُ حبيبة قلبي.

رحتُ أسأل مُختار البلدة المُجاوِرة عن بيت ردَينة وأهلها وسرَدتُ للرجُل قصّتي. هو كان يعرفُ أيضًا أبي وعمّي، فتفاجأ كثيرًا وقال:

 

- ما أعرفُه هو أنّ ردَينة مخطوبة لأحَد أبناء عمِّكَ، وأنّهما سيعيشان في شقّتهما الجديدة في العاصمة.

 

بدأ مكتب المختار يدورُ بي حين أدركتُ ما حصَل. فلقد ثأرَ أولاد عمّي منّي مِن خلال ردَينة، بالحصول على رزقي بدلاً مِن رزقهم الضائع، وأيضًا بتحطيم فؤادي وثقتي بنفسي! لكن ما ذنبي؟ فلقد اشترَيتُ الشقّة مِن مالي وتعَبي وليس مِن مال أبي، والحزن الذي أُصبتُ به والخَيبة التي ملأت قلبي لن تؤثِّران أبدًا على والدي! وكيف ظنّوا للحظة أنّ التهّجم عليّ وضربي والتسبّب لي بإعاقة دائمة سيشفي غليلهم؟ ما هذا الحقد المجّانيّ والذي لا نتيجة له سوى كَسر شاب بريء معنويًّا وجسديًّا؟

عدتُ أدراجي إلى العاصمة، وحبَستُ نفسي في مسكني القديم الذي لَم يكن ملكي. في الواقِع لَم أعُد أملكُ شيئًا على الاطلاق، لا مال ولا مسكن ولا عروس. كان عليّ البدء مِن الصفر بسبب قلّة ضمير أبي الذي تابعَ حياته بهدوء واكتفاء وهناء.

إضطرِرتُ لإيجاد عمَل إضافيّ ليليّ للتعويض عن خسارتي، وحتى لا أٌفكِّر كثيرًا بردَينة وما فعلَته بي. تعِبتُ كثيرًا لكنّ تعَبي كان مُفيدًا لصحّتي النفسيّة، إذ أنّ أحداث حياتي المريرة بدَت لي بعد وقت أخَفّ وطأة عليّ. إضافة إلى ذلك، لاحظتُ أنّ الناس مِن حولي، خاصّة في عمَلي الليليّ، لَم يتأثّروا بعرجَتي مِن حيث قبولهم لي أو تعاملهم معي، بل العكس... وخاصّة تلك الصبيّة الجميلة التي كانت تأتي لتوصيل وجبة العشاء لأبيها الذي كان مسؤولاً عنّي.

هل أجرؤ على التقرّب منها؟ ليس هناك مِن خسارة في ذلك، أليس كذلك؟ فأنا شابّ طموح ونشيط ونزيه.

لذا سأقبَلُ في المرّة القادمة دعوة أبيها لتناول فنجان قهوة عندهم في البيت، فأنا أستحقّ فرصة ثانية في الحياة.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button