رأيتُ البسمة على وجه ميساء ابنة عمّي يوم أخبرتُها عن حبيبي يوسف، وبالأخصّ حين سألَتني عن مهنته وأجبتُها: "إنّه سائق خاصّ لدى رجُل أعمال كبير". كنتُ أعلَم ما معنى تلك البسمة، إذ أنّني كنتُ ابنة أناس مُكتفين مادّيًّا ومُتعلّمين، وأنا الأخرى دخلتُ الجامعة ونلتُ إجازتي ولاحقًا الماجستير. وهي وجدَت اختياري لإنسان عاديّ للغاية سبيلًا للتفوّق عليّ ولو بشيء واحِد، إذ أنّ خطيبها كان طبيب أسنان وله عيادة يتدفَّق عليها الناس. أقولُ شيئًا واحدًا لأنّ ميساء لطالما حسدَتني على ما أملكه أو أفعله. فكلانا كنّا وحيدات لأهلنا، لكنّ أباها، أخ والِدي، أضاعَ كلّ ماله وأملاكه على النساء، فعاشوا في القِلّة ومِمّا أعطاهم أبي. كبرنا وفي قلبها امتعاض منّا ومنّي بالأخصّ، وفي قلبي حبّ كبير للّتي نادَيتُها "أختي". ولَم أعِ مدى كرهها لي إلّا في السنوات الأخيرة، عندما لَم تعُد ميساء قادِرة على إخفاء مشاعرها، فالجدير بالذكر أنّ نَيلي شهادات عالية كانت الضربة القاضية، لأنّها اضطّرَت للعمَل باكِرًا لمُساعدة أبوَيها ولاحِقًا أمّها، بعد موت أبيها بسبب السهَر والكحول. شيء آخَر أغضبَها في ما يخصّني، هو عدَد العرسان الذين تقدّموا لي، في حين هي تحايَلَت على طبيب أسنان ليتزوّجها، ولن أدخل الآن بتفاصيل الألاعيب التي استعمَلتها.
وضع يوسف حبيبي كان موضوعًا شائكًا عندنا في البيت، إذ أنّ والِدَيَّ لَم يفهما كيف لَم أجِد سوى سائق خاصّ لأُحبّه، فلماذا لَم أختَر شخصًا يُشبهُني ومِن طبقتي الاجتماعيّة؟ فلَم يفهَما أنّ للحبّ قوانين خاصّة لا تُفسَّر أحيانًا. لكن في آخِر المطاف، هما قبِلا بِخَياري، على مضض طبعًا. تمَّت الخطوبة وسط الأهل، وتمنَّت لي ميساء السعادة، وبالكاد استطاعَت إخفاء ضحكة أطلقَتها وسط الحاضرين. شكرتُها على تمنّياتها، لكنّني كنتُ أودّ لو أصفَعُها على فمها لإزالة الشماتة عن وجهها.
موقف يوسف مِن خطوبتنا ولاحِقًا زواجنا كان مؤلِمًا، إذ أنّه شعَرَ بالذنب والنقص حيالي، وعرَضَ عليّ مرارًا أن أتركَه وأجِدَ غيره، إلّا أنّني طمأنتُه بأنّه الذي أريدُه. لكنّني أضَفتُ أنّني أتقاضى راتبًا أعلى مِن راتبه وعليه تقبّل ذلك، وأنّ رجوليّته لن تكون يومًا على المِحَكّ. إتّفقنا على كلّ تلك النقاط لأنّ ما يربُطنا أقوى مِن كلّ شيء: الحبّ، والحبّ الصادِق والقويّ... على خلاف ما يربطُ ابنة عمّي بخطيبها.
فلا تنسوا ما قلتُه سابقًا، وهو أنّ ميساء احتالَت على ذلك الرجُل بإعطائه نفسها له قَبل الزواج ورَبطه بها. كان بإمكانه عدَم الالتزام، لكنّها كانت تعلَم أنّه لن يتخلّى عنها، خاصّة بعدما بكَت ومثَّلت دور الصبيّة التي وقعَت فريسة شهواته. لكنّ كلَيهما كانا يعلمان أنّ ميساء لَم تكن ضحيّة أحَد سوى رغبتها في النجاح بالزواج مِن رجُل يجعلُ منها إنسانة أفضل منّي.
حدَّدنا موعد فرَحنا، إلّا أنّ ميساء اختارَت لِفرَحها موعِدًا يسبقُنا بأسبوع واحِد! كيف ذلك؟؟؟ كيف سيحضرُ الناس ذاتهم فرحَين على أسبوعَين مُتتاليَين؟ وكيف لهم أن يتمكّنوا مِن دفع ثمَن هدايا لِكلَينا؟ إشتكَيتُ عليها لدى أهلنا، لكنّهم لَم يستطيعوا تغيير رأيها، فاضطرِرتُ أن أُؤجِل فرَحي ستّة أشهر، وذلك تفاديًّا لإحراج مدعوّينا. لكنّ يوسف عرَضَ عليّ أن نتزوّج "خطيفة"، أيّ بحضور أبوَيّ كلَينا والشاهدَين، وإقامة حفل لاحِقًا. أعجبَتني الفكرة كثيرًا، فكنتُ أنتظرُ بفارِغ الصبر أن أصبَحَ زوجته ونعيشَ سويًّا تحت سقف واحِد. لَم أدع ميساء إلى الزواج بذريعة أنّنا لا نُريدُ دعوة أحَد، وهي غضِبَت لأقصى درجة لأنّني تزوّجتُ قَبلها!
رحتُ ويوسف إلى فندق جميل على الشاطئ لقضاء شهر عسَلنا، وعُدنا إلى شقّة زوجي الصغيرة التي صمَّمتُ على تحسينها لاحِقًا، فهو سكَن فيها طوال مدّة عزوبيّته وكانت بحاجة إلى لمسة نسائيّة. نسيتُ أمر ميساء وطبيب الأسنان وركّزتُ على حبّي وحبيبي وعمَلي.
في تلك الأثناء بدأ خطيب ابنة عمّي بإعادة حساباته، فإلى جانب الطريقة الخسيسة التي استعملَتها ميساء معه، كان مُمتعِضًا مِن مُعاملتها له، إذ أنّها بدَت بالفعل لا تُفكِّر سوى بالمظاهِر وكيف تنتفِع مِن كونه طبيب إسنان ناجِحًا. وهكذا أقامَ علاقة غراميّة مع إحدى زبوناته وبدأ يذوقُ طعم الحبّ الحقيقيّ وليس الزائف كما مع ابنة عمّي. لِذلك، هو أرجأ موعد الزواج إلى بعد سنة بحجّة إكمال البيت الذي ينوي بناءه لميساء، فأقنعَها بقبول التأجيل بعد أن أراها خرائط البناء الجميل. وخلال تلك السنة، تغيّرت حياتي!
فرجُل الأعمال الذي يعمَل لدَيه يوسف قرَّرَ السفَر إلى أفريقيا لتأسيس عمَل جديد هناك، وعرَضَ على زوجي مُرافقته لأنّه يثِقُ به لِدرجة كبيرة ويحتاجه إلى جانبه في مكان لا يعرفُ أحَدًا فيه. لكنّ يوسف رفَضَ السفَر مِن دوني، لذلك... رافقتُه! أجل، تركتُ عمَلي وأهلي وأصدقائي للّحاق بحبّ حياتي، فكيف أعيشُ مِن دونه؟ فالجدير بالذكر أنّ الراتب الذي كان سيتقاضاه يوسف كان مرتفعًا جدًّا، ولا حاجة لي للعمَل إن شئت. راتِب يفوقُ... ما يجنيه طبيب لأسنان!
فتصوّروا موقِف ابنة عمّي مِن خبَر سفَرنا وظروفه، بعد أن علِمَت التفاصيل كلّها مِن أهلنا! فكلّ جهودها ذهبَت سدىً بعد أن صارَ "السائق الخاصّ" أفضل مِن خطيبها الذي قضى سنوات يدرسُ في الجامعة، ويعمَل في عيادته ليصِل إلى ما وصَلَ إليه. لِذا، هي حثَّت خطيبها على توسيع عيادته والعمَل ساعات أطوَل ليتفوّقَ على يوسف. إمرأة سخيفة بالفعل!
حزمَتُ الحقائب وودّعتُ الجميع وركِبنا الطائرة إلى وجهتنا الغامِضة والمُثيرة، فكنتُ مُتحمِّسة كثيرًا لِما ينتظرُنا، خاصّة أنّ ذلك العمَل الجديد أعطى زوجي ثقة بنفسه كبيرة بعد أن حسِبَ نفسه رجُلًا لا يستطيع تأمين حياة أستحِقُّها.
وصَلنا إلى ذلك البلَد الذي أحبَبتُه على الفور، بفضل ناسه الطيّبين والكريمين بالرغم مِن القِلّة التي يعيشون فيها. أحبَبتُ تقاليدهم وأكلهم ولباسهم وكلّ ما يتعلَّق بهم، وهم أحبّوني ويوسف.
رافَقَ زوجي رجُل الأعمال في كلّ مكان، وتسلَّمَ منه مهامًا عديدة بينما كنتُ أُديرُ البيت الجميل الذي سكنّا فيه، وكانت لدَي مُساعدات مِن سكّان البلَد سهَّلَت عليّ التنظيف والطهو... ومتاعِب الحَمل بعد أن اكتشفتُ أنّني أنتظرُ مولودًا! كانت فرحتي ويوسف لا تُقاس، وانتظرنا بفارغ الصبر ولادة ابننا الأوّل. وبالطبع، خبَر حَملي كان بمثابة ضربة قاضيّة لميساء التي لن تستطيع أبدًا أن تسبقَني في الإنجاب لأنّها لا تزال مخطوبة! فحثَّت خطيبها على الزواج فورًا، لأنّها تمنَّت أمام الناس أن أجهضَ أو أن يموتَ ابني في بَطني! أتتصوّرون وجود هذا الكمّ مِن الحِقد والغيرة؟ مَن يتمنّى موت جنين؟!؟
ثمّ جاءَت الضربة القاضية التي حطّمَت ابنة عمّي تمامًا: فَسخ خطوبتها مِن قِبَل طبيب الأسنان، بعدما قالَ لها إنّه ينوي الزواج مِن غيرها. إنهارَت أحلامها وفشِلَت خطَطها بالكامِل. وردّة فعلها؟ إتّهمَتني بأنّني مارَستُ السحر عليها، سحر أفريقيّ قويّ يجتازُ القارات! لكنّني أنجَبتُ إبنًا صحيحًا والحمد لله، وبعد سنة واحِدة وجَدتُ نفسي حامِلًا مِن جديد بابن ثانٍ، بالتزامِن مع زوجة خطيب ابنة عمّي السابِق! وذلك الخبَر أثّرَ في ميساء لِدرجة أنّها فقدَت أعصابها بشكل كلّي، الأمر الذي استوجَبَ نقلها إلى مشفىً مُختصّ. حزِنتُ مِن أجلها، فهي جنَت على نفسها، لأنّ كلّ ما فعلَته كان بِغرَض التفوّق عليّ. لماذا هي لَم تكن ابنة عمّ حنونة ومُحِبّة، لماذا لَم تقِف بِجانبي أو تمنَّت لي حقًّا السعادة وسعِدَت مِن أجلي؟
لا نزال نعيش في أفريقيا، بعد أن صارَ يوسف مدير المؤسّسة التجاريّة التي ساهَمَ إلى حَدّ كبير في إنشائها. صارَ لدَينا ثلاثة صبيان ونعيشُ بسعادة ورخاء.
خرجَت ميساء مِن المؤسّسة الخاصّة وعاشَت مع أمّها، لكنّها لَم تعُد كما كانت بسبب الأدوية والعلاجات. فهي باتَت وكأنّها غير موجودة، تجلِسُ طوال النهار مكانها وتُحدّقُ في الفراغ. مسكينة ابنة عمّي، فالإنسان الذي يُدخِل البُغض والحسَد إلى قلبه وعقله، يخسَر كلّ شيء آجِلًا أم عاجِلًا، حتّى نفسه، فيهربُ منه الناس ويجدُ نفسه وحيدًا مع حقده.
حاورتها بولا جهشان