أخافَني كلام الطبيب، لكنّ الأقراص التي وصفَها لي في ذلك اليوم أعطَتني بعض الأمَل، خاصّة أنّها كانت جزءًا مِن علاج جديد للّذين هم في مثل حالتي. "ياربّ، أعِد لي ذاكرتي وبسرعة!".
سألَتني دارين زوجتي عن الموضوع تلك الأمور الخاصّة بالرجال الذي أودُّ مُناقشته مع الطبيب ووجَبَ عليها الانتظار خارجًا بسببه، لكنّني لَم أجِب، ألَم يكن خاصًّا بالرجال؟ هي لَم تُصِّر، فلقد ظنَّت حتمًا أنّ الأمر ليس مُهمًّا. وفي الإطار نفسه، دعوني أُخبركم أنّ زوجتي لَم تعُد تقومُ بواجباتها الزوجيّة معي مذ فقدتُ ذاكرتي، إلّا أنّها بقيَت تُصِّر على أنّها تفعَل لكنّني أنسى الموضوع في كلّ مرّة. لكن بعد أن صِرتُ أُدوِّن كلّ شيء على دفتري، إتّضَحَ لي أنّها لَم تدَعني ألمُسها منذ أشهر طويلة!
وإن جمَعتُ كلّ المُعطيات التي بانَت بعد البدء بالتدوين، كان مِن الواضِح أنّ دارين تخفي أشياءً عديدة عنّي وتكذِبُ عليّ باستمرار، خاصّة بشأن الذي اسمه تامِر والذي هو على الارجَح عشيقها. لكنّني لَم أكن أملكُ أيّ دليل فعليّ، بل فقط شكوكًا، ولَم تكن ابنتي تُساعِدُني كثيرًا بإيجاد حقيقة ما يحصل، إذ أنّها كانت على ما يبدو حليفة أمّها. على كلّ الأحوال، لَم يحُن بَعد الوقت للمواجهة، فحالتي جعلَت منّي رجُلًا ضعيفًا ومُنعزِلًا. آه، لو عرفتموني قَبل الحادِثة! كنتُ إنسانًا قويًّا ومُثقّفًا ولدَيّ تأثير واضح على مَن حَولي. يا لِهشاشة الإنسان... ضربة واحِدة على رأسي وها أنا عاجِز ومُحتار وخائف. لكنّني إرتحتُ كثيرًا حين أطلَعتُ الطبيب على ما يحصل، فهو الوحيد الذي بإمكاني التكلّم معه عن شكوكي ومخاوفي، مِن دون أن أُتّهَم بالجنون والهلوَسة.
إستمرَّيتُ بإخفاء الدفتر وكذلك أمر معرفتي بالذي يحصل، فالشيء الذي لَم تتغلَّب عليه حالتي البائسة كان دهائي، لأنّ الدّهاء هو ابن حاضره ولا يحتاج إلى ذاكِرة.
عادَ تامِر ليزورنا، وفي تلك المرّة قيلَ لي إنّه جار لنا مُقرّب جدًّا. لِذا هو قضى السهرة كلّها معنا، وروى لنا قصصًا زعَمَ أنّها حصَلت معه ولي بسبب جيرته لنا. وبين الحين والآخَر، كنتُ أدخُل غرفتي وأُدوِّن كلّ ما حصَل لأعودَ وألعَب دور الزوج الغبيّ. لكنّ أهمّ ما في الأمر، هو أنّ ابنتي كانت موجودة معنا وهي كانت تعلَم حتمًا أنّ ذلك الرجُل لَم يكن يومًا جارنا، لكنّها لَم تقل شيئًا، بل تصرّفَت وكأنّ الأمر حقيقيّ. حزِنتُ كثيرًا، فكيف لتلك الصبيّة التي أعطَيتُها الحياة وكلّ ما لدَيّ، أن تخونَ ثقتي بها وتصطفّ مع أمّها التي كانت على ما يبدو عشيقة ذلك الرجُل؟!؟ خطَرَ ببالي أن أُكلّمها، لكنّ ذلك كان يعني أن أفضَح سرّي وربّما أضَع نفسي في خطَر.
في خطر... عن أيّ خطر كنتُ أتكلّم؟ في تلك اللحظة بالذات فهِمتُ شيئًا بغاية الأهمّيّة: ماذا لو لَم يكن الإعتداء عليّ مُجرَّد مُحاولة سرقة؟ فتذكّروا، كنتُ أمشي ليلًا كعادتي بعد العشاء، ولَم يكن بحوزتي أيّ مال أو شيئًا قد يُغري سارِقًا، لأنّني كنتُ أمشي في الحَي الموازي لبيتي. كعادتي... هل يجوزُ أنّ تامِر وزوجتي... لا، لا، أنا أتصوّر أمورًا غير موجودة ولا يُمكنها أن تحصل إلّا في الأفلام! حاوَلتُ جهدي ألّا أشغِلُ بالي بتلك الرواية التي كنتُ سأنساها بعد فترة قصيرة، إلّا أنّني دوّنتُها على دفتري، فمَن يدري؟
مرَّت الأسابيع مِن دون أيّ حدَث يُذكَر سوى ما إعتدتُ عليه، أعني بذلك الكذب المُستمِّر مِن قِبَل زوجتي وابنتي. فضاقَت الدنيا بي وقرّرتُ أنّ عليّ الخروج قليلًا مِن البيت. وكان هناك مقهى في آخِر الحَيّ، إعتَدتُ أن أذهب إليه في ما مضى لقضاء بعض الوقت بصحبة أحَد زملائي القدامى الذي يعيشُ ليس بعيدًا، كان قد أبقى صلة مُتقطِّعة معي لأنّني وبكلّ بساطة كنتُ أنساه في كلّ مرّة. لاحِقًا، صِرتُ أتذكّره بواسطة ما كتبتُه على دفتري عنه. ذهبنا إلى ذلك المقهى بضع مرّات، وفعلتُ جهدي لأعودَ إلى البيت وأكتب ما حدَث قَبل أن أنساه. لكنّ الرجُل سئِمَ منّي بعد فترة، إذ انّ كان مِن المستحيل أن يقومَ بمشاريع طويلة الأمَد معي. ومِن ناحية ثاينة، كنتُ أتكلّم طوال الوقت عن حالتي، الأمر الذي لَم يرُق له على ما يبدو. فعدتُ إلى وحدتي "المُتقطِّعة"، إذ أنّني لَم أكن أشعرُ بها سوى حين أقرأ السطور الموجودة على الدفتر. فالدفتر باتَ صديقي والوحيد الذي بإمكاني الوثوق به.
بعد ذلك، صِرتُ أذهب إلى المقهى لوحدي لأكون مُحاطًا بالناس، وكنتُ سعيدًا معهم خاصّة أنّ الكلّ باتَ يعرِف عن حالتي ويُذكّروني بأنفسهم في كلّ مرّة، الأمر الذي كان يخلقُ جوًّا مِن المرَح والمزح. لكنّني بدأتُ أُلاحِظ أنّ شخصًا يُراقبُني كلّما أترك البيت للذهاب إلى المقهى ويلحقُ بي. لَم أكن مُتأكّدًا مِن الأمر، لذا دوّنتُ شكوكي لأنتبِه في كلّ تحرّكاتي.
هل أصبحتُ أشكّ بكلّ شيء وأحَد؟ يا لَيتَ تلك الأقراص التي أعطاها لي الطبيب تأتي بنتيجة! فحتّى ذلك الحين لَم أُلاحِظ أيّ تقدّم، لكنّه نصحَني بمُتابعة تناوله. وفي زيارتي التالية له، أرَيتُه دفتري وقرأناه سويًّا ثمّ أخذَه كالمرّة السابقة ليُصوِّره. وبقيَت دارين أيضًا خارج غرفة الكشف لكنّها لَم تُبالِ، لأنّها ظنّت، كما في المرّة السابقة، أنّني أتكلّم مع الطبيب عن أمور خاصّة بالرجال.
لكن ما لَم أكن أعرفُه، هو أنّ طبيبي كان يُزوِّدُ الشرطة بكلّ أمر يجِده مُريبًا في دفتري، لأنّه فهِمَ خطورة الأمر، خاصّة عندما رأى أنّ أحَدًا قد يكون يُراقبُني. إلّا أنّه اكتفى بالقول لي: "لا أظنّ أنّه مِن الحكيم أن تذهب لوحدكَ إلى ذلك المقهى، فماذا لو نسيتَ أين تسكن فجأة وتهتَ في الشوراع؟". أجبتُه إنّني قد دوَّنتُ اسمي وعنواني ورقم هاتف زوجتي على ورقة وضعتُها في جَيب الجاكيت، لأنّه بدا لي مهمومًا جدًّا. إلّا أنّني انصَعتُ لرغبته، فآخِر شيء كنتُ أُريدُه كان أن أُغضِبَ الانسان الوحيد الذي يعرِف ما أمرُّ به. مِن جانبها، بحثَت الشرطة في قضيّتي، خاصّةً أنّ المُحقِّق كان أحَد مرضى طبيبي ويُريدُ سداد خدمة له، لأنّ لَم يكن هناك مِن داعٍ حقيقيّ لفتح تحقيق في ما يخصّني، لقلّة الدلائل. مِن حسن حظّي أنّني كنتُ قد دوّنتُ على دفتري قسمًا مِن لوحة سيّارة تامِر وطرازها، فاستطاعوا إيجاد صاحِب السيّارة الذي كان بالحقيقة يُسمّى سعيد وليس تامِر. وأغرَب ما في الأمر، هو أنّ أحَد الشهود الذين أُخِذَت أقوالهم يوم حادثة "السرِقة"، قد أفادَ أنّه رأى سيّارة مِن الطراز نفسه تفرُّ بسرعة مِن الحَيّ قَبل دقائق مِن إيجادي في الشارع غائبًا عن الوعي! وقَبل أن أُغادِر عيادة الطبيب، هو طلَبَ منّي الإتّصال به حين يأتي "تامِر" إلى بيتنا. ولأتمكّن مِن فعل ذلك، كان عليّ مُراجعة دفتري مرّات عديدة في النهار، لأتذكّر أنّ عليّ الاتّصال به. وجَدتُ الأمر غريبًا لكنّني وعدتُه بأنّني سأفعل ما طلبَه منّي.
تمّ القبض على "تامِر" وزوجتي بعد أن اتّصلتُ بطبيبي لأقولَ له إنّ الرجُل جالِس في صالوني مع باقي عائلتي، ويدَّعي أنّه زميل قديم لي جاءَ ليطمئنّ عليّ. وتبيّنَ بعد التحقيق معه أنّه بالفعل مَن حاوَلَ قتلي في ذلك المساء، لأنّه عشيق زوجتي واتّفقا أنّه مِن الأفضل أن أُغادِر هذه الدنيا. لكن حين أصابَني النسيان، لَم يعُد هناك مِن حاجة لإبعادي، إذ أنّ العشيقَين كانا قادرَين على التلاقي حينما يُريدان، وتستطيع زوجتي جَلبه إلى بيتي مِن دون أن أشكّ بشيء. لكن حين علِمَت زوجتي بأمر العلاج الجديد، خافَت أن أستعيدَ ذاكرتي وأمنَعها مِن مُلاقاة عشيقها. وذهابي إلى ذلك المقهى لوحدي، كان فرصة ذهبيّة لإعادة الكرّة ومُحاولة التخلّص منّي مُجدّدًا. وكنتُ، مِن دون أن أدري مَن هو "تامِر" وما فعلَه، قد وجَدتُ وجهه مألوفًا، إذ أنّني كنتُ قد رأيتُ حتمًا وجهه ليلة التعدّي عليّ.
أمّا بالنسبة لإبنتي، فهي لَم تكن تعلَم بمُحاولة القتل على الاطلاق، بل فقط أنّ أمّها تخونُني. وهي تواطأت معها مُقابل السماح لها بفعل ما تشاء، أيّ الخروج ومُلاقاة صديقها الذي كنتُ أجهَل وجوده. وهكذا، سمحَت دارين لابنتنا بعَيش حياة مُنحلّة، فقط لتتركها وشأنها! يا للأم والزوجة العظيمة!
طلبَت إبنتي منّي السماح باكيةً عندما علِمَت بما فعلَته أمّها وعشيقها وما كانا ينويان فعله. سامحتُها لكن بتحفّظ، إذ أنّني لَم أعُد أثِقُ بها على الاطلاق، فذهبَت تعيشُ عند خالتها ريثما تتحسّن حالتي، إن تحسَّنَت. شكرتُ الطبيب والمُحقِّق بحرارة، فلولاهما لكنتُ متُّ حتمًا. ولفترة طويلة، لَم أتمكَّن مِن استيعاب ما قامَت به دارين التي كنتُ أحسبُها زوجة فاضِلة. أسرَعتُ بتطليقها لأضَع ورائي تلك الأحداث المؤلِمة، وهي الآن في السجن. جلَبتُ عامِلة منزل لتُساعدني في أمور البيت وأعيشُ بطريقة مُمتازة.
بدأَت حالتي بالتحسّن شيئًا فشيئًا، وصِرتُ أتذكَّر أمورًا أكثر، لكن يبقى عليّ أن أصبُر بَعد لبلوغ النتيجة المرجوّة.
تبًّا لكِ يا دارين، فلولا ذلك الاعتداء، لأكملتُ حياتي بشكل طبيعيّ. لكنّني فقدتُ بسببه عمَلي، أصدقائي، وزوجتي، وابنتي. لماذا يا دارين لَم تطلبي الطلاق بكلّ بساطة؟ لماذا؟؟؟
حاورته بولا جهشان